الأحد، ذو القعدة 02، 1426

عندما تجتهد الرشوة تتناقض الأحكام

في بعض الدول التي تتمتع فيها أحكام القضاء بالثقة والاحترام ، قد يؤدي صدور حكمين متناقضين في موضوع واحد سواء من ذات المحكمة أو من محكمتين مختلفتين إلى فتح الباب واسعاً أمام سيل من المناقشات القانونية الجادة والعميقة لدراسة الأساس القانوني الذي يقوم عليه الحكمان المتناقضان واستخلاص أيهما أكثر انطباقاً مع نصوص القانون.أما في بلادنا فإن صدور الأحكام المتناقضة لا يثير مثل هذه النقاشات القانونية ، بل إنه يمر مرور الكرام مصحوباً بابتسامات ماكرة وغمزات أشد مكراً .فما هو السبب في ذلك ؟؟؟لا شك أن الموضوع هام وله آثار كبيرة على حقوق الأفراد ولا سيما عندما تكون الأحكام المتناقضة صادرة عن محكمة النقض أي آخر مرجع قضائي يمكن للإنسان اللجوء إليه . فصدور حكمين متناقضين في موضوع واحد يعني : أن محكمة النقض خرقت المبدأ الدستوري القاضي بالمساواة بين المواطنين أمام القانون لأنها ميزت في الحكم بين ش خصين يتمتعان بنفس المركز القانوني ولم يستوجب مثلَ هذا التمييز أيُ تعديل في القانون وإنما صدر الحكمان المتناقضان بناء على نص واحد !!!ويزيد من خطورة الموضوع أن صدور الأحكام المتناقضة عن محكمة النقض ليس حدثاً نادراً وإنما هو حدث معتاد ومتوقع في أي وقت . فقد يصدر عن ذات الغرفة في محكمة النقض وفي ذات اليوم وفي قضيتين متشابهتين حكمان متناقضان ، وقد يستقر اجتهاد إحدى الغرف على حكم معين فترة طويلة ثم تعدل عنه دون سبب ظاهر أو معروف مما يؤثر سلباً على آلاف القضايا المنظورة أمامها والمرفوعة أصلاً استناداً على الاجتهاد السابق الذي تخلت عنه دون مبرر قانوني . وقد تختلف غرفتان في محكمة النقض على حكم قضية معينة فتصدر كل غرفة حكماً يخالف الحكم الذي تصدره الغرفة الأخرى مما يعني أن المتقاضين الذين يتمتعون بمركز قانوني واحد لن تحسم قضاياهم بأحكام متماثلة وإنما سوف تحسم كل قضية على خلاف القضية الأخرى فقد تكون القضية رابحة وقد تكون خاسرة والمعيار الوحيد لتحديد مصير الدعوى ليس نص القانون وإنما أي غرفة سوف تنظر في الدعوى فإذا كانت لدى الغرفة الأولى ربحت الدعوى وإذا كانت لدى الغرفة الثانية فقد خسرت الد عوى .قد تكون هناك عدة عوامل تؤدي إلى تناقض الأحكام الصادرة عن محكمة النقض مثل : عدم تمتع كوادرها بالكفاءة العلمية اللازمة ، وعدم تفعيل آليات المساءلة المسلكية تجاه القضاة الذين يخالفون القانون في أحكامهم مخالفة صريحة . قد تكون مثل هذه العوامل ذات تأثير على صدور الأحكام المتناقضة ، لكننا نعتقد أن العامل الذي يلعب الدور الأهم في صدور هذه القرارات المتناقضة هو عامل الرشوة .فالسبب الرئيسي لصدور أحكام متناقضة وخاصة إذا كانت هذه الأحكام صادرة عن ذات الغرفة هو تقاضي رشوة مقابل إصدار هذه الأحكام . إذ لا تفسير آخر طالما أن النص القانوني واحد ووقائع القضايا واحدة . وهذا ما يجعل صدور هذه القرارات مصحوباً بابتسامات ماكرة وغمزات أشد مكراً . فالجميع من قضاة ومحامين ومتقاضين يعرفون كيف صدرت الأحكام ولأي سبب أصدرت هذه الغرفة في محكمة النقض حكماً مناقضاً لحكم صدر عنها بالأمس ، لكن من مصلحة الجميع السكوت والتكتم على الأمر فيعبرون عن معرفتهم بتلك الابتسامات والغمزات .وقد تطورت العلاقة بين الرشوة والأحكام المتناقضة إلى درجة يمكننا معها أن نستنتج القانون التالي : الرشوة هي وراء تناقض الأحكام ، وكلما زادت الأحكام المتناقضة الصادرة عن محكمة ما أمكننا الجزم بأن هذه الغرفة تتقاضى الرشوة أكثر .
المحامي عبد الله علي - موقع سوريا للقضاء والمحاماة

ليست هناك تعليقات: