الجمعة، شوال 30، 1426

الضغوط التي تواجهها الليرة واحتمالات المستقبل

يتوقع أن تواجه الليرة السورية ضغوطاً متزايدة لفترة قد تقصر لعدة شهور وقد تطول لبضع سنوات. وسيكون لهذه الضغوط آثارها الكبيرة على قطاع الأعمال وعلى حياة المواطن وعلى خزينة الدولة. وإذا كان مدى هذه الآثار يتوقف على شدة الضغوط فإن حسن غدارة مواجهة الضغوط تلعب دوراً كبيراً في تقليص آثارها السلبية.
هذا الوضع يتطلب معالجة مختلفة جذرياً عن الطرق الروتينية السابقة في إدارة العرض والطلب على العملات الصعبة في مواجهة الضغوط.
غير أن خبرات وطرق عمل إدارة السوق المركبة لعرض العملات الصعبة والطلب عليها تجاه الليرة السورية لا ترقى إلى مستوى مواجهة ضغوط كبيرة، سواء كان لجمود أنظمة العملات الصعبة، أو لضعف صلاحيات مجلس ال نقد والتسليف أو لإتباع سورية نظام نقد غير قابل للتحويل يدار بمركزية شديدة لا تتيح تكوين خبرات لدى العاملين لمواجهة ضغوط حادة تتطلب قرارات آنية جريئة (ضعف خبرة آليات أسواق النقد).
والأهم هو ضعف قاعدة المعلومات وضعف معرفة الأجهزة الحكومية بسوق عرض العملات الصعبة والطلب عليها مقابل الليرة السورية معرفة غنية.
إذ لا يوجد دراسات لأسواق العرض والطلب على العملات الصعبة مقابل الليرة السورية، ولا يوجد معرفة جيدة متجددة بمصادر العرض وأشكال حركته ودوافع الطلب ووجهات تحركه، ولا يوجد أرقام موثوقة متجددة كل يوم، ولا يوجد آلية جيدة لإنتاج المعلومات، ولا يوجد معرفة جيدة باللاعبين في هذه السوق داخل سوريا وخارجها. ولا يوجد دراسات لمبالغ رؤوس الأموال التي تهرب على مدى أربعة عقود سابقة،
ولا يوجد دراسات للآثار المتوقعة لسياسة الانفتاح التجاري على زيادة الاستيراد مقابل التصدير، والأثر الذي ستتركه على زيادة الطلب على العملات الصعبة وعلى سعر صرف الليرة وعلى الأسعار المحلية وبالتالي على مستوى المعيشة، سواء آثار اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التي اكتمل تطبيقها مطلع 2005، أو اتفاقية ال شراكة السورية الأوروبية القادمة أو اتفاقية تحرير التجارة مع تركيا القادمة، أو الإجراءات الانفتاحية التي تتخذها الدولة.
ولا يوجد دراسات لآثار زيادات الرواتب على زيادة الاستيراد وتأثير ذلك على أسعار صرف العملات الصعبة تجاه الليرة السورية، ولا يوجد دراسات حول ربط سعر صرف الليرة بالدولار الأمريكي وآثار هذا الربط وإمكانية التحول للربط بسلة عملات، ولا يوجد دراسات حول كيف وأين توظف احتياطيات الدولة، وفيما إذا كانت الفائدة القصوى تتحقق من ذاك التوظيف، وإذا كان من الضروري الاحتفاظ بهذا الاحتياطي الكبير أم استعماله في استثمارات تعطي مردوداً أعلى، ولا يوجد دراسات حول آلية إدارة سوق العملات الصعبة والآلية المركزية البطيئة لاتخاذ القرار بخصوص العملات الصعبة وسبل تطويرها، وغيرها وغيرها.
فإذا كانت الجهات المعنية لا ترصد ولا تدرس كل هذا فكيف ستدير سوق العرض والطلب على العملات الصعبة، خاصة في مرحلة تزداد فيها الضغوط؟!
تقليدياً يوجد سوق مركبة لتداول العملات الصعبة مقابل الليرة السورية، ويمكن تقسيم إلى:
أولاً: السوق الحكومية وتقع في المصرف الم ركزي والمصرف التجاري السوري.
A- وتتكون إيراداتها من حصيلة صادرات الحكومة من النفط بالدرجة الرئيسية (نحو 60 – 70%) ثم حصيلة صادراتها من السلع الزراعية مثل القطن والحبوب وبعض الصادرات الصناعية، وبعض الإيرادات الأخرى مثل تسديدات الضرائب بالعملات الصعبة وتبديل العملات للسائحين الأجانب وبعض المغتربين وغيرها. يضاف لها حصيلة القروض السنوية التي تحصل عليها الدولة بالعملات الصعبة.
B- بينما تتكون نفقاتها من تغطية حاجات مختلف الجهات الحكومية وتغطية جزء من حاجات القطاع الخاص للاستيراد وتسديد خدمة الدين الخارجي وبعض النفقات الحكومية الأخرى.
ظلت هذه السوق تتسم بتحقيق فائض يتم تحويله إلى احتياطي للدولة أو يبقى لدى المصرف التجاري على شكل موجودات أجنبية يجري إيداعها لدى بنوك دولية لآماد قصية (شهر) بفوائد متدنية. ولا نعلم إن كانت ما زالت تحقق فوائض الآن.
بحسب المجموعة الإحصائية لعام 2005، فقد بلغت صافي موجودات المركزي من العملات الصعبة في نهاية 2004 مبلغ 146 مليار ل.س تعادل 2.72 مليار دولار أمريكي بسعر صرف 48 ل.س للدولار، بينما بلغت موجودات المصرف التجاري السوري مبلغ 620 مليار ل.س تعادل 12,92 مليار دولار أمريكي بسعر صرف 48، مما يشير لاحتياطي جيد من العملات الصعبة.
ثانياً: سوق قطاع الأعمال الخاص:
ويقسم إلى قسمين:
1- قسم أول يقع في المصارف الرسمية، المصرف التجاري السوري بالدرجة الرئيسية ودخلت المصارف الخاصة على الخط منذ مطلع 2004 بدور يتصاعد، ولكنه ما زال ثانوي. تتكون إيرادات هذه السوق من جزء من حصيلة صادرات القطاع الخاص بالدرجة الرئيسية، ومن تحويلاته من موجوداته في الخارج لفتح اعتمادات من أجل الاستيراد، وهذا يشكل الجزء الأصغر لعدم جاذبية شروط التعامل مع المصارف السورية مقارنة باللبنانية أو غيرها. أما نفقاته فهي مخصصة لتغطية جزء من مستورداته بالدرجة الرئيسية.
2- قسم ثان: يقع في أيدي صيارفة القطاع الخاص داخل الأراضي السورية، وهي مهنة غير قانونية، ويتم التوجه الآن لشرعنتها. ويعتمد عليها القطاع الخص في جمع جزء من احتياجاته لتغطية عملياته التجارية والاستمارية. وتتكون إيراداتها أصلاً من تحويلات العمالة السورية في الخارج ومن تحويلات السائحين.
3- قسم ثالث: يقع خارج الأراضي السورية، في البلدان المجاورة وخاصة لبنان، حيث يتم تغطية جميع المستوردات التي تتم بطريقة التسهيلات الائتمانية عن طريق المصارف اللبنانية. وتتكون واردات هذه السوق من العملات الأجنبية من تحويلات السوريين العاملين في الخارج ومن فروقات صادرات القطاع الخاص التي لا تعاد للمصارف السورية مباشرة ومن بعض المصادر المتفرقة الأخرى.
وعبر هذه السوق يتم هروب رؤوس أموال من سورية لتستثمر في بلدان أخرى عربية غالباً مثل ومصر ودبي والسودان والمغرب وغيرها، وهي أرقام ما زالت كبيرة وللآسف.
ثالثاً: سوق القطاع الأهلي:
ويقسم إلى ثلاث أقسام:
1- القسم الأصغر ويقع داخل المصارف السورية ومبالغه متواضعة، وإيراداته هي تحويلات العمالة السورية في الخارج أو شراء من السوق غير النظامية، مثلاً تبلغ جميع الإيداعات بالعملات الأجنبية لدى المصرف التجاري السوري في نهاية عام 2004 نحو 5270 مليون ل.س للمصارف المتخصصة و 5806 مليون ل.س للمركزي وهي تشمل إجمالي إيداعات الشركات الحكومية وإيداعات قطاع الأعمال وإيداعات القطاع الأهلي.
2- القسم الثاني يقع خارج المصارف السورية في أيدي الصيارفة، وإيراداته ذكرناها من قبل، أما نفقاته في تغطية بعض حا جة القطاع الأهلي للسفر وللدراسة أو الطبابة في الخارج أو غيرها.
3- القسم الثالث الأكبر فيوجد لدى مصارف خارج سورية، في الخليج أساساً حيث أسواق العمالة السورية المهاجرة، وفي لبنان حيث اعتاد السوريون حفظ حساباتهم بالعملات الصعبة منذ نحو أربعة عقود، وقد تأثرت هذه الإيداعات كثيراً بعد أحداث لبنان منذ شباط الماضي وحتى اليوم.
تتكون إيرادات السوق الأهلية من تحويلات العمالة السورية المهاجرة أساساً ثم وبشكل جزئي، من بعض التحويلات الأخرى لشركات أجنبية أو سائحين أجانب أو غيرها.
لا شك أن مثل هذا الوضع هو وضع شاذ، إذ تدار العمليات التجارية لأي بلد من بنوك تقع خارج البلد وهو يسبب خسائر كبيرة ويفقد الدولة أحد مصادر معرفة السوق وأحد أدوات التحكم به. يعود هذا الوضع غير الطبيعي لمجموعة من الأسباب، تاريخية ومعاصرة، وتعود بالدرجة الرئيسية اليوم للتكاليف المرتفعة للمصارف السورية مقارنة بغيرها، ولمحدودية التسهيلات ولبيروقراطية المصارف وعدم مرونة نظام النقد، وأيضاً، ولوجود الكثير من العيون التي تحدق في سجلات المصارف، وبالتالي يعمل المواطنون بتقليد قديم بأن يبقى رجل الأعمال بخاصة والمواطن بعامة بعيد اً عن أعين رقابة الدولة.
لسورية مصلحة كبيرة في أن تعيد كافة عمليات تمويل التجارة والاستثمار لتتم في البنوك السورية بدلاً من بنوك خارجها أو حتى خارج سورية، ومصلحة في أن تطور نظامها النقدي باتجاه التحرير التدريجي، فالمنع لم يمنع أحداً من تهريب أية مبالغ بأية عملات كانت إلى خارج سورية، بينما منع عودتها، إن أنظمة القطع وتخلف خدمات المصارف الحكومية يشكل فزاعة أمام المدخرات والاستثمارات.
جاءت إجراءات الحكومة التي أعلنت عنها الأيام الماضية باتجاه التأثير على عرض العملات الصعبة والطلب عليها في الوقت المناسب، وتتلخص إجراءاتها بثلاثة وهي:
- زيادة عرض الدولار عبر توسيع تمويل المصارف الحكومية لمستوردات القطاع الخاص واحتياجات المواطنين الأخرى.
- تخفيض الطلب على الدولار عبر تعديل أسعار الفائدة وإصدار سندات خزينة لمدة سنة بفائدة 9%.
- التوجه نحو تنظيم مهنة الصيرفة بما يضع السوق غير الرسمية (السوداء) تحت الأنظار.
سوقان لليرة السورية:
ما زال الدولار الأمريكي هو العملة الرئيسية التي يتحدد سعر صرف الليرة السورية تجاهها والذي يحدد سعر صرف العملات الأخرى.
في سوريا يوجد سوقان رئيسيان منفصلان لعرض العملات الصعبة الطلب عليها:
- السوق الحكومية: وتنحصر في البنوك الحكومية وتشمل إيرادات الحكومة من العملات الصعبة، ونحو 70% من إيراداتها تأتي من صادرات النفط. وتستخدم الحكومة إيراداتها لتغطية احتياجاتها المختلفة، ثم تغطية الجزء الأقل من احتياجات قطاع الأعمال، وجزء صغير من الاحتياجات الأخرى للمواطنين. وما زالت هذه السوق تحقق فائضاً.
- السوق غير الرسمية، وتشمل معظم تعاملات القطاع الخاص والأهلي، وتتكون إيراداتها أساساً من صادرات القطاع الخاص وتحويلات العمالة السورية في الخارج وبعض المصادر الأخرى. ويتكون الطلب فيها من طلب قطاع الأعمال لتغطية مستورداته التي لا تغطيها الحكومة، ثم طلب القطاع الأهلي لمختلف احتياجاته للسفر والتعليم والطبابة في الخارج وغيرها. ويقع جزء من هذه السوق خارج المصارف السورية، بينما يقع الجزء الآخر خارج الأراضي السورية، وخاصة في لبنان، وقد بدأ بالتراجع، ثم في الأردن والسعودية ودول الخليج، وهذه مسألة ترفع إمكانية المضاربة على الليرة السورية. وهذه السوق غير الرسمية تعاني من عجز يتم تغطيته، بسحب ما يتردد، عبر ضخ كمية من العملات الصعبة في السوق من قبل الحكومة. ويتم هذا التدخل بطرق غير شفافة. ولا يوجد رصد جيد لحركة هذه السوق ولا يوجد دراسات لها، إنما تراقب الحكومة هذه الحركة بكثير من التكتم.
الضغوط تؤدي لميل قيمة الليرة السورية نحو الهبوط:
تأتي زيادة الطلب على الدولار في الآونة الأخيرة:
- بسبب زيادة مستوردات القطاع الخاص بأكثر من زيادة وارداته، وقد بدأ هذا الاتجاه منذ 2004.
- بسبب الضغوط السياسية أدت إلى تقلص تحويلات السوريين من الخارج، وتقلّص قدوم الرساميل الخاصة وهي قليلة أصلاً، واستمرار تهريب الأموال إلى الخارج ثم تزايدها بسبب الضغوط السياسية.
- بسبب بعض التأخر في الإجراءات الحكومية في موازنة العرض والطلب أو التأخر في طمأنة المواطن. وقد بقي الارتفاع محدوداً، فلم يتجاوز 56 ليرة سورية للدولار بعد أن كان نحو 53 ليرة سورية أي أقل من 2%، ولكن حساسية الوضع أدت إلى تدخل الحكومة بسبب التهديدات المحتملة.
المخاطر على المدى القريب وإجراءات مواجهتها:
السمة العامة خلال الأسابيع القادمة هي فتر ة اللايقين، وتواجه الحكومة السورية سؤالاً صعباً آنياً، إذ ماذا لو تصاعدت ضغوط الطلب على الدولار، وخاصة بسبب الضغوط السياسية، وجميع المؤشرات تشير لذلك؟
لدى الحكومة قدرة جيدة على حماية أسعار صرف الليرة لأمد معقول من الزمن. فاحتياطيها من العملات الصعبة يعادل نحو 30 شهر من قيمة مستوردات سورية بمستواها الحالي، وهو من أعلى المعدلات. معظم هذا الاحتياطي موجود على شكل يورو ويدار بطريقة غير شفافة.
ستجد الحكومة نفسها أمام ثلاث احتمالات للجواب على هذا السؤال:
- الأول: أن تقوم بحماية سعر الصرف حتى النهاية، مستخدمة جزءاً من احتياطيها من العملات الصعبة. هذا الاستخدام سيؤدي لتآكل الاحتياطي في فترة تتوقف على سياستها ومدى الضغوط ومدى الحماية، خاصة إذا أخذت الحكومة بنصائح البعض بتحرير قابلية الليرة للتداول في هذه الظروف.
- الثاني: أن تمتنع عن أية حماية لليرة فتحافظ على احتياطيها. غير أن هذا القرار سيؤدي لارتفاع سعر صرف الليرة تجاه العملات الصعبة وبالتالي لارتفاع أسعار عام يؤدي لمزيد من تدهور مستويات أصحاب الأجور والرواتب والدخول المحدودة المتدهورة أصلاً، مما يخلق غضباً شعبياً في فترة تستمر فيها الضغوط السياسية.
- الثالث: حماية مدروسة تقوم على مراقبة لصيقة بالضغوط وعواملها وحركة السوق، مع حساب تكاليف الحماية الكلية أم الجزئية، بحيث تستخدم الدولة جزءاً من احتياطيها مع السماح بارتفاع أسعار محدود.
إن قدرة مواجهة الضغوط ستزداد كلما أدت الإجراءات التي تتخذها الحكومة إلى تقليص الفجوة بين عرض العملات الصعبة والطلب عليها، مما يؤدي إلى تقليص الجزء المستخدم من الاحتياطي لتغطية الفجوة، مما يمكن الاقتصاد السوري من اجتياز فترة الضغوط بأقل التكاليف.
في المدى القريب لا يمكن للدولة إلاّ أن تحمي العملة الوطنية من التدهور بانتظار ما تسفر عنه الشهور القادمة، ولتخفيف تكاليف حماية العملة الوطنية لا بد من اتخاذ إجراءات تخفف الطلب على العملات الصعبة على المدى القصير مثل:
- رفع سعر الفائدة بنسبة كبيرة دفعة واحدة ربما حتى 25% وربما أكثر، أو الإعلان عن هذا التوجه لرفعه تدريجياً بحسب الحاجة وبحسب رد فعل السوق على الرفع، ففي أزمة 1998 في دول جنوب شرق آسيا اضطرت حكوماتها لرفع الفائ دة بأكثر من 300% لحماية عملتها الوطنية واقتصادها ومنع المضاربة على عملتها، غير أن قدرتها على تحمل التكاليف أكبر من قدرة سورية.
- الإسراع بإصدار شهادات إيداع بالليرة السورية بفائدة مرتفعة.
- الإسراع بإصدار شهادات حكومية باليورو بفائدة مرتفعة.
- عدم اتخاذ إجراءات تزيد من الطلب على السلع المستوردة.
- عدم تقليص نفقات الدولة الجارية والاستثمارية، فهذا التقليص يخلق فجوة لها مخاطرها على قدرة الدولة على مواجهة الضغوط القادمة.
- اتخاذ إجراءات عاجلة يمكن أن تزيد من الصادرات.
ستحدد أسعار الفوائد بحسب مستوى الضغوط. هذا سيحد من الطلب على الليرة السورية. وفي هذه الحالة حتى لو استمرت الضغوط السياسية وحتى المضاربات، فإن انخفاض معدل تحويل الليرة تجاه العملات الأجنبية سيبقى محدوداً، وكذلك ارتفاع الأسعار إلى مستويات يمكن تحملها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، بانتظار ما سيأتي من تطورات.
هذه الإجراءات ستجعل تكاليف الاستثمار أعلى، وستخلق ضغطاً أكبر على قطاع الأعمال قد يؤدي، لو طال، إلى ركود اقتصادي، وستخلق ضغطاً أقل على المواطن، بل ستخلق الفوائد المصرفية المرتفعة عائداً يعوض المواطن ب جزء مما يخسره بسبب ارتفاع الأسعار.
استمرار الدولة في الإنفاق واستمرار قطاعها الاقتصادي بالنشاط سيجعلها تتحمل جزءاً من تكاليف هذه الإجراءات. هكذا تتوزع أعباء الضغوط وتكاليفه على الدولة وقطاع الأعمال والمواطنين بانتظار ما تسفر عنه هذه الفترة.
ما يجب أن تتذكره الدولة جيداً هو درس أواسط الثمانينات، حين قامت الدولة بتمويل مستوردات القطاع الخاص بأسعار تحويل الليرة تجاه الدولار تقرب من نصف أسعار السوق غير الرسمية "السوداء"، بينما قام التجار ببيع مستورداتهم حسب أسعار السوق السوداء، مما خلق أرباحاً ريعية كبيرة للقطاع الخاص على حساب خزينة الدولة، التي قاربت الإفلاس آنذاك. وقد بدأ القطاع الخاص اليوم يتزاحم لتقديم طلبات فتح اعتمادات استيراد تغطيها المصارف الحكومية، وفي ذاكرته ما جرى في الثمانينات. الدرس هو أنه يجب الحفاظ على سعر صرف رسمي مماثل لسعر السوق غير الرسمية باستمرار.
مثل هذه الإجراءات ستجعل أثر الضغوط محدوداً وتكاليفه محدوده بانتظار ما تسفر عنه الشهور القادمة، أما في حال تزايد الضغوط ووصولها إلى مستويات أعلى فيجب وضع سياسة أوسع تشمل مكونات الاستثمار والتصدير والإنفاق الحكومي و غيرها.
المخاطر على المدى المتوسط:
ماذا لو استمر استهداف سورية لسنوات قليلة قادمة؟
على المدى المتوسط، قد تتعرض سوق الليرة السورية تجاه العملات الصعبة لضغوط مزدوجة تشكل مقصاً، بسبب تراجع كميات النفط المصدرة، وبفرض عدم قدرة الاقتصاد السوري على تعويضها بصادرات أخرى، وبسبب تزايد عجز الميزان التجاري، وقد بدأ الذي بالظهور منذ 2004، ومن جهة أخرى تراجع تحويلات العملات الصعبة إلى سورية سواء كان بسبب تراجع الاستثمار الخاص، أو تراجع تحويلات العاملين، أو حتى تلك الناتجة عن احتمال تراجع السياحة، واستمرار هروب الرساميل، مما سيؤدي لازدياد الفجوة بين عرض الدولار والطلب عليه، مما يخلق ضغوطاً أكبر على احتياطي الدولة ويجعل تكاليف حماية الليرة أكبر على المدى المتوسط.
كما أن المزيد من تحرير التجارة سيؤدي لمزيد من الطلب على العملات الصعبة سواء كان بسبب اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، أو اتفاقية تحرير التجارة المقبلة مع تركيا أو اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية المقبلة، والمجمدة الآن بسبب مواقف سياسية من الجانب الأوروبي، مما يعني تزايد العجز في الميزان التجاري.
لمنع حدوث هذا المقص أو جعل تأثيره محدوداً وإطالة أمده؛ أمام الحكومة حزمة من الإجراءات:
- ستضطر الحكومة، وبحسب حجم الضغوط على الليرة، للاستمرار بسياسة حماية الليرة ولو نسبياً،
- استمرار إجراءات تخفيف الطلب على الليرة عبر أسعار الفائدة والسندات وعدم اتخاذ خطوات أخرى تحرّض المزيد من الطلب على المستوردات.
- ستؤدي أسعار الفوائد المرتفعة إلى استمرار تدفق تحويلات العمالة السورية في الخارج.
- ستضطر الدولة لإعادة النظر بسياسة الدعم التي تخلق ضغوط على العملات الصعبة وخاصة المازوت الذي يتم تهريبه ثم البنزين، على أن يتم هذا الرفع عبر دراسة شاملة تتوقع آثار الرفع وتوصي باتخاذ إجراءات تصحيحية متعددة منها زيادات أجور تعويضية.
- أن تطلق الدولة مجموعة من المشروعات الاستثمارية المختارة الموجهة نحو التصدير، كشركات مساهمة بين الحكومة والقطاع الخاص والأهلي.
- أن تسرع بتطوير برنامج متكامل لتنمية الصادرات بما فيها هيئة تنمية الصادرات.
- أن تطلق برنامج خاص لتشجيع الاستثمار موجه نحو الاستثمارات العربية والصينية والروسية.
- أن تسرع الحكومة بإصلاح الق طاع العام، لأن عبئاً كبيراً سيقع عليه في مثل هذه الظروف التي يتوقع أن تتقلص فيها استثمارات القطاع الخاص.
- أن تسرع بالعديد من الإجراءات الإصلاحية التي تساعد في تحسين مناخ الاستثمار مثل إصدار القانون التجاري وقانون الإغراق وقانون الممارسات الضارة بالاقتصاد الوطني وتنشئ هيئة تنمية الاستثمار وإقامة السوق المالية وغيرها من إجراءات ضرورية طال انتظارها.
- أن تتجه لقطاع النفط والغاز لجذب استثمارات دولية تساعد في زيادة إنتاج الحقول الحالية للشركة السورية للنفط، وأن تعالج مشكلة تدهور الإنتاج في حقول شركة الفرات للنفط (امتياز شركتي شل وبتروكندا) وأن تسرع في تنفيذ مشروع غاز تدمر الذي ينتج نحو 10 مليون م3 في اليوم، وقد تأخر حتى الآن لأكثر من 7 سنوات بسبب البيروقراطية الحكومية وقراراتها الخاطئة.
- أن تتخذ جملة من الإجراءات التي تؤدي إلى توسيع استرجاع عمليات التداول في العملات الصعبة من السوق السوداء داخل وخارج سورية، استرجاعها إلى المصارف السورية، وخاصة العمليات التجارية التي تشكل الكتلة الأكبر في الطلب على العملات الصعبة.
في كل الأحوال تحتاج الحكومة السورية أن تقو م تبدأ عاجلاً بـ:
- إنشاء وحدة تدخل في المصرف المركزي لإدارة بيع وشراء العملات الصعبة. وترتبط هذه الوحدة بالمصارف السورية التي ستغذيها بحركة السوق ساعة بساعة إضافة لمصادر أخرى. ويحتاج إنشاء هذه الوحدة (المؤسسة) إلى تشريع ومكان وتجهيزات وأنظمة عمل ثم كادر بشري يحتاج لدورات تدريبية عاجلة.
- إنشاء وحدة لتداول الأسهم الحكومية التي تطرح للاكتتاب العام في المصرف المركزي بالتنسيق مع وزارة المالية. يحتاج إنشاء هذه الوحدة (المؤسسة) لتشريع ومكان وتجهيزات وأنظمة عمل وكادر يحتاج إلى تدريب عاجل.
- أن تعزز مجلس النقد والتسليف ببعض الخبراء في السياسة النقدية، وأن يمنح المجلس صلاحيات للتصرف الفوري لمواجهة الطوارئ.
- الإسراع بإصدار تشريع ينظم مهنة الصيرفة والإشراف عليها.
- أن تقوم الحكومة بتكليف فريق عمل مختص ليقوم بدراسة شاملة تضع آلية لخلق قاعدة معرفية متجددة لأسواق عرض العملات الصعبة مقابل الليرة السورية، وحركة والعرض والطلب والعوامل المؤثرة الثابتة والطارئة، وأن يضع السيناريوهات المحتملة والإجراءات الممكنة.
مثل هذه الحزمة من الإجراءات ستجعل سورية تجتاز الفترة الصعبة فيما لو استمرت لبضعة أعوام. ولكن قد تكون سورية ليست بحاجة لهذه الإجراءات الصعبة.
المسألة تحتاج إلى ثلاث شروط:
الأول: صلاحية لمجلس النقد والتسليف وتخفيف هيمنة مجلس الوزراء على قراراته.
الثاني: خبرة وطنية بالتعامل مع أسواق عملات مفتوحة، وهو أمر ما زلنا نفتقده، ونحتاج لبناء كادرات جديدة.
الثالث: إصلاح القطاع العام المصرفي كونه ما زال يشكل الجسم الرئيسي في القطاع المصرفي
وكل هذه الشروط تتطلب قراراً شجاعاً من مجلس الوزراء، غير أن الشجاعة ما زالت غائبة حتى الآن في قرارات المجلس، وهذه واحدة من مسائل عديدة تحتاج لشجاعة.
لا بد من أن تبدأ المصارف السورية بالتدخل لشراء وبيع العملات الصعبة على نحو مفتوح إضافة لتغييرات في نظم عملياتها وإعادة النظر بشروط فتح الاعتمادات وتقديم التسهيلات وتخفيض تكاليف الاعتمادات لتنافس المصارف في البلدان المجاورة.
إن نجاح المصرف المركزي في التدخل وتأمين كافة طلبات تمويل التجارة أمر ممكن، ويمتلك أساسه في التوازن بين العرض والطلب الكلي بين الليرة ال سورية والعملات الصعبة (أساسً الدولار الأمريكي). فثبات سعر صرف الليرة على مدى عقد من الزمن يثبت صحة هذه الفرضية. ونقصد بالعرض والطلب، إجمالي العرض والطلب في السوقين الرسمية وغير الرسمية داخل سورية وخارجها (لبنان أساساً).

سمير سعيفان: كلنا شركاء

ليست هناك تعليقات: