الأحد، جمادى الآخرة 18، 1426

تقرير التعليم والتنمية البشرية في سورية يدق ناقوس الخطر

تسرب من المدارس وفشل في السياسات التربوية والأساتذة محبطون.. والحكومة تشعر بالثقة
حذّر واضعو تقرير التنمية البشرية الذي تبنته سوريا رسميا بحفل احتفائي من "احتمالات تحول التعليم في سورية إلى شركةٍِ ربحيةٍ تجاريةٍ" في ظل ارتفاع نسبة الفقر في سوريا حيث وصلت 5.3 مليون شخص.


ولفت التقرير إلى توقعات بعض المخططين التربويين السوريين أن يحتل التعليم الخاص وفق المرسوم (55) خلال السنوات الخمس القادمة، وهي سنوات الخطة الخمسية العاشرة ما لا يقل عن( 30%) من الطلاب، منبها إلى أن تدني معدلات القيد الصافي في المراحل التعليمية المختلفة انخفضت لمجموعة عوامل ثقافية تتعلق بالمتميز على أساس النوع الاجتماعي بالنسبة إلى الإناث واقتصادية تتعلق بالفقر وبوهم التعويض عن ثمن الفرصة الضائعة في التعليم بالعمل المبكر، ومؤسسية تتعلق بالامتحانات وسياسات القبول والتخرج، وعدم التكامل بين ما المناهج الدراسية ومتطلبات سوق العمل، وسياسية تتمثل في التراجع المتسارع عن سياسات ديمقراطية التعليم والاستيعاب لصالح القطاع الخاص الربحي.

* سجال بين باروت ومرتضى
وقال التقرير أن حصيلة هذه السياسة التعليمية "هدر رأس المال البشري وتآكله أمام أعيننا من دون أن نوفر له ظروف التمكين والفعالية".
وكان من أبرز محطات مناقشة التقرير السجال الذي حصل بين مؤلف التقرير الرئيسي الباحث جمال باروت ووزير التعليم العالي هاني مرتضى حيث انتقد باروت عملية التوجه إلى خصخصة القطاع التعليمي مشدد على أن التعليم يجب أن يبقى بشكل أساسي مسؤولية الدولة وأن نهبه كل الدعم، بعد أن سرد وزير التعليم العالي محاسن القطاع الخاص في التعليم وخلص إلى أن "أحسن الخريجين في دول العالم من الباحثين والأطباء والسياسيين والباحثين كان من الجامعات الخاصة".

وأكد مرتضى لـ"سيريا نيوز" على هامش الحفل أن الدولة لن تتخلى عن دورها في التعليم العالي، لأنه وبالتزامن مع منح التراخيص للجامعات الخاصة فتحت الوزارة 29 كلية في أنحاء البلاد تابعة للجامعات الحكومية ستبدأ عملها في أيلول المقبل معتبرا أن نقص طلاب المرحلة الجامعية عائد إلى أن "لدينا أربع جامعات فقط".

*ظاهرة معيدي البكالوريا
توصل واضعو التقرير وبالأرقام إلى تشخيص الواقع "المريع" للتعليم فعلى الرغم من أن سياسات الحكومات السورية في مجال ديموقراطية التعليم والاستيعاب ومجانيته في كافة المراحل التعليمية و إلزاميته في مرحلة التعليم الأساسي كانت من أثمن المكتسبات التنموية الاجتماعية والثقافية الوطنية السورية، إلا أن السياسات لم تستطع أن تحقق أهدافها في ضمان عدالة وصول الجميع إلى التعليم، فضلاً عن وقوعها في إشكالية تقدم في الإنجاز الكمي: ضعف في النوعية وخلص التقرير في هذه النقطة قائلا:" نحن لم نستطع تحقيق ديمقراطية، كما أننا لم نستطع تطوير نوعيته".

ولفت التقرير إلى تفاقم ظواهر الهدر البشري التعليمي، بعدم الالتحاق بالمدارس وبالتسرب وبالرسوب التي تزداد عاماً بعد عامٍ موضحا أن نسبة عدم الالتحاق بالصف الأول الأساسي مرتفعة، وتصل في حدها الأدنى إلى(6.1%) من مجموع الأطفال المقبولين سنوياً، في حين أن هناك مؤشراتٍ عديدةً إلى أن النسبة هي أعلى من ذلك. ولفت التقرير إلى أن (25%) من طلاب مرحلة التعليم الأساسي يتسربون من المدارس قبل إتمام المرحلة الدراسية الأساسية، إلى مصيدة الفقر والتخلف التعليمي وضعف مهارات القدرات البشرية، كاشفا أن ( 67%) تقريباً من طلابنا لا يتابعون تعليمهم الثانوي النظامي.

وأشار التقرير إلى أن ظاهرة المعيدين لامتحانات الشهادة الثانوية العامة من أبرز مظاهر الهدر غير المرئية وغير الداخلة في الحسابات الرسمية لافتا إلى أنها " في تزايد مستمر مما يعني زيادة في الهدر، حيث ارتفعت نسبتها من 13% في العام إلى 17% في العام 2002، وهي مرشحة للتزايد والتفاقم طردا مع تشديد سياسات القبول في الجامعات العامة وكشف التقرير في هذا المجال أن سياسات القبول في الجامعات العامة مع تشجيع الجامعات الخاصة هي التي رفعت من عدد الطلاب الموجهين إلى المعاهد في العام 2003 بالقياس إلى السنوات السابقة، بينما رمت في العام الدراسي 2002 ـ2003 ما نسبته 20.3 %خارج الكليات والمعاهد معا، لتتفاقم في العام 2003 ـ2004 وتسائل واضعو التقرير"عن مدى عقلانية وعدالة سياسات القبول على اعتبار أن التعليم كفاءة وعدالة في آن واحد.

* التعليم المهني في خطر:
وقال التقرير أن نسبة الفاقد في معاهد التعليم العالي تصل إلى 82 % من عدد الملتحقين شكليا به بهدف توفير مقعد احتياطي أو الإعادة أو التأجيل من الخدمة الإلزامية وركز على التعارض الجذري "المريع" بين السياسات التنموية التي تنهجها سوريا حاليا وضعف التركيز على التعليم المهني، وقال التقرير أن السياسات التربوية في مرحلة التعليم المهني اتبعت خلال الأعوام السابقة توجيه ما نسبته بين(40%) إلى (70%) من الناجحين في شهادة التعليم الإعدادي (الأساسي حالياً) إلى التعليم المهني، لافتا إلى أن ( 41,2%) من عدد الطلاب الشباب المقبولين في الصف الأول الثانوي المهني للعام 2004ـ 2005 قد عزفوا عن مجرد التسجيل فيه، مختارين الانخراط في سوق العمل من دون تعليمٍ مهنيٍ أو مهاراتٍ نظاميةٍ، أو مراهنين على النجاح في الدراسة الثانوية العامة الحرة، لتصل نسبة الفاقد الإجمالي من الصف الأول الثانوي المهني وحده إلى( 45.98%)، وليصل معدل الفاقد في المعاهد المتوسطة البالغ عددها( 34) معهداً يصل إلى (69%)".

ولاحظ التقرير "ضعف العلاقة التحفيزية مابين مراتب التعليم وبين الأجور" مما يجعل عمل الأمي أكثر عائدية من عمل المتعلم وفق سلم الأجور منبها إلى الفجوة الكبيرة بين حدود الكفاءة الداخلية التي يعدها النظام التعليمي وبين الحاجات التي يتطلبها سوق العمل ويخلص إلى أن العلاقة ما بين التعليم ومؤسسات الإنتاج مخفقة عموما.

* إهمال مؤسف للبحوث العلمية
يقول التقرير هناك :" ضعف مريع في البحث العلمي وفقر شديد في استخدام الموارد المتاحة له" مشيرا إلى أنه تحول إلى عامل للترقية الوظيفية مترافقا مع "الإهمال المؤسف لمجلات البحوث العلمية في عصر التقدم التقاني الشديد التسارع لدرجة أن بعض سلاسلها تصدر بواقع تأخر عامين وأكثر عن موعد صدورها الاعتيادي، مما يجعل المقالات العلمية عرضة لتحكيم متهاون، ويهدرها من حيث أن مصيرها المستودعات".

وفي الوقت الذي لفت فيه التقرير إلى ارتفاع في عدد خريجي ديبلومات الدراسات العليا إلا أنه أعرب عن اعتقاده أن أسبابه" وظيفية وليس لأسباب البحث العلمي" مشيرا إلى أن معدل تخريج سورية للدكتوراه قد تراجع في العام 2003 إلى(11.2%) بعد أن كان في العام 2000 حوالي(14%) محذرا من النزيف الكبير في حجم طالبي الاستيداع والندب والإعارة لأهم عقولنا بين الأساتذة الجامعيين وقال التقرير "إن 30% من خيرة أساتذتنا في الجامعات ينزفون منها" لافتا إلى أن 20 خريجا من أصل مئة موفد لمتابعة الدكتورة في البلدان الغربية يعودون فقط والسبب كما يرى التقرير"المشكل المادي".
واعتبر التقرير أن "الحليف الموضوعي والأساسي في التطوير التربوي والتنموي البشري الأساسي ليس سوى المعلم والمدرس والأستاذ الجامعي وخلص إلى أن جميع هؤلاء مستنزفون ومحبطون مسبقا بحجم العمل والساعات التدريسية النظامية والإضافية الفعلية وازدواجية المهنة ومحدودية الدخل ومعرضون للعقوبات أكثر من المكافآت.

في ختام مناقشة التقرير سألت سيريا نيوز نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ورئيس هيئة تخطيط الدولة عبد الله الدردري عما إذا كان واقع التعليم المتردي سيكون له دور معيق في الخطة الخمسية العاشرة التي تعول عليها الحكومة أملا كبير في تحسين واقع سوريا سيما وأن المعرف عنها أنها" خطة استثمار العقول وتنمية الكفاءات" فأجاب الدردري الآن"نعرف الواقع ونستطيع أن نبني عليه لننطلق إلى المستقبل" مؤكد أن "المشكلة كان يمكن أن تكمن في عدم معرفة الواقع "ومع هذا التقرير"نحن لا نعمل من فراغ" وشدد الدردري قائلا "نحن نشعر بالثقة بأننا قادرون على التعامل بكفاءة مع ما ذكرت".

جورج كدر ـ سيريا نيوز

ليست هناك تعليقات: