الجمعة، جمادى الآخرة 23، 1426

عندما يلبس جيشنا الفساد

المحامي زيد مخلوف
بما أن الحديث عن الفساد في مجتمعنا قد كثر في الآونة الأخيرة، فلقد احببت أن أرسل هذه المساهة إلى سيريانيوز آملا" أن تسمح سياسة الموقع بنشرها ، لتكون عظة للسادة المسؤولين عن محاربة الفساد.
أما لماذا الآن ؟ فسأذكر لكم ذلك لاحقا".

سألت صديقي (رحمه الله) يوما" عن حال سير عمله ، حيث كان يعمل في مناقصات الدولة مع شريك خفي، وتحديدا" في استيراد المواد من الخارج.

فأجابني : لله والرسول ، لقد أصبح الأمر مخيفا" ، لأنه لم يعد يشبعهم شيئا"، وأنا خائف من أن أتورط في مصيبة
لا ينقذني منها أحد. ولهذا لم أعد أقرب من أي شركة للقطاع العام ولو كنت سأكسب منها مليار ليرة.

ولما استفسرت أكثر، بدأ يشرح لي بإسهاب عن آخر صفقة كان سيعقدها مع إحدى شركات القطاع العام ،
لا يقطع حديثه إلاّ سحب نفس من النرجيلة المعسلة ، والتي كانت سبب وفاته في نهاية المطاف.

هذه الشركة هي إحدى الشركات التابعة للمؤسسة النسيجية، وهي تعتمد على استيراد الخيوط الأجنبية من أجل تصنيعها أقمشة مخصصة للباس جنودنا وضباطنا في الجيش العربي السوري، وفي الشرطة.
والمعروف عن مديرها العام أنه قريب لأحد كبار ضباط المخابرات سابقا"، وأنه يدير هذه الشركة كما يديرون فرعا"
للمخابرات. حتى أنه لديه سيارة مرسيدس وسائق ومرافق تابعين للمخابرات.
وهو دائم الحديث عن صداقاته مع أهم مسؤولين البلد وعلى أعلى المستويات ، لدرجة بات معها الزائرون بالشعور
بعدم الإرتياح لحجم وأهمية الأسماء التي كانوا يسمعونها.

وكان دور صديقي (المرحوم) هو تأمين المواد من الخارج ، ودورشريكه الخفي هو الإتصال المباشر مع الشركة
لترتيب أمور المناقصة ، وكانوا على إتفاق مع مدير هذه الشركة بحيث كان يدفعون له دولارا" واحدا" عن كل كيلوغرم يتم التعاقد عليه، ويبقى للمرحوم وشريكه نصف دولار من الربح.
كانت هذه الطريقة الوحيدة التي يستطيعون بها الحصول على العقود، لأن الأشخاص الواقفين بالدور لإرضاء شهية المدير العام كانوا أكثر من أن يحصوا.
ولما كانت الشركة تستورد سنويا" قرابة الخمسمائة طن من الخيوط ، فلقد كانت حصة المدير نصف مليون دولار
سنويا"، وكان دائما" يقول للشريك الخفي إن هذا المبلغ لا يكفيه لأنه يتم تقاسمه مع ناس (من فوق) ، وأن الناس
(يللي فوق)، يريدون حصّة أكبر .

في آخر مناقصة لهم، طلب المدير العام من الشريك ثلاثة دولارات عن كل كيلوغرام.
ولما أبلغ الشريك صديقي بطلب المدير العام، رفض المرحوم رفضا" قاطعا" مبررا" له أن الربح لا يتعدى النصف دولار، فقال له شريكه على لسان المدير العام "إننا لا ندفع شيئا" من جيبنا الخاص ، سنضيف هذه الزيادة على السعر النهائي، والمدير العام وعدني بالتكفل بالباقي."
المهم أن المرحوم خاف من الموضوع ، وشرح لشريكه أنه إذا قامت أية جهة حكومية بمراسلة الشركات الأجنبية فإنها ستكتشف الفرق الهائل في الأسعار وقد يتعرضون لسين وجيم. وأنه أصبح من الأرخص استيراد بدلة جاهزة
عوضا" عن تصنيع القماش.
فأجابه الشريك " ياأخي أنا أرى الكثير من موظفي الهيئة المركزية للراقبة والتفتيش في مكتبه يشربون القهوة،
لماذا أنت تضخم الأمور ؟ ومن يجرؤ على مساءلته؟ الرجل دائما" يقول أنه واصل لفوق فوق فوق ".
ولكن المرحوم أصر على رفضه واعتذر عن المشاركة في المناقصة.

في النهاية ، تعاقدت هذه الشركة مع شخص آخر ، وبسعر يزيد بأربعة دولارات عن سعر المرحوم ، ربما ثلاثة منها للمدير العام كما طلب سابقا".
ومضى ثلاثة أعوام على هذه القصة انتقل صديقي خلالها لرحمته تعالى بسبب سرطان الرئة، وقبل أن أعرف إسم
الشريك الخفي.

منذ فترة كنت أتصفح إحدى الجرائد، فوجدت إعلان مناقصة لهذه الشركة ولنفس المواد التي كان يحدثني عنها المرحوم ، ومن باب الفضول بدأت أسأل عن إسم المدير العام الحالي ، فوجدت أنه مازال نفس المدير العام الذي
حدثني المرحوم عنه.
فتساءلت في قرارة نفسي ياترى هل صحيح أن هذا المدير واصل (لفوق فوق فوق..) بحيث لم يجرؤ أحد على محاسبته حتى الآن ؟
أم أنه أتقن اللعبة وأقنع الجميع أنه واصل (لفوق فوق فوق) فأحجموا عن مساءلته ؟

وهل ياترى يشمّ الجندي السوري رائحة الفساد كلما ارتدى القماش المصنوع في هذه الشركة ؟
الله أعلم….

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

coruption is everywhere ,In the US they call it canpain contributions so Syria is not different but in the US corupt people are prosecuted by local or fediral prosecuters depending on the crime syria should make prosecution a local matter supervised by the national goverment that will make local prosecuters eager to show their dedication to punish the guilty.having the national goverment supervise the prosecuters will make much more difficult to bribe either one.Naim Nazha. MD /USA