السبت، صفر 11، 1427

التقييس في الفساد

الكل يتحدث عن مكافحة الفساد، عن ردعه ومنعه، عن تحميله مسؤولية الكثير من المصائب التي نواجهها في حياتنا اليومية، لكن الحديث عن هذه المكافحة لايوحي بأن تعريف الفساد عند البعض هو نفسه عند البعض الآخر.
لرشوة والغش والتدليس والسرقة والتهرب من الضرائب واللعب على القوانين والتهريب ... وما إلى ذلك، كلها تعني فساداً، لكن هل هذا هو التعريف الكامل للفساد؟ ‏
إذا حاولنا تعريف الفساد وفق منهجية تعتمد على نتائجه، فإننا نجد أن كل عملية أو منتج أو حالة تصيب الناس بالأذى هي نتاج عمل فاسد، وفي التعريف الكيميائي نقول عن أي مادة إنها أصبحت فاسدة إذا خرجت عن إمكانية التعامل معها لأهداف إيجابية، ونقول انها تحللت أو تفسخت أو فسدت وأصبحت غير قابلة للاستخدام. ‏
وهنا نسأل... أي فساد سوف نكافح؟ ‏
هل سنتفق على تعريف يقول إن الفساد هو فقط الالتفاف على القوانين لـ (لطش) أكبر كمية ممكنة من المال؟ ولنلاحظ هنا أن عملية الالتفاف قد تكون قادرة على عدم الإيقاع بالفاسد الحقيقي في قفص الاتهام بل ربما تستبدله بأجير أو بشخص آخر قد لايكون له في ذلك مايعني حقيقة اشتراكه في جرم الفساد. ‏
وبصورة أكثر شمولية... هل سنطلق تعبير الفساد على مايمكن أن نسميه الفساد المالي؟ ‏
إذا اتجهنا إلى هذا الرأي فإننا سنترك الفساد في الإدارة وفي تحمل المسؤولية والهدر في المال العام ونترك مع كل ذلك الفساد الأخلاقي وسبات الضمير وفساد التلوث (الهوائي والمائي والصوتي...) ، ونعطيها جميعاً البراءة من الفساد. ‏
الفساد يعمّ العالم، وربما يكون الفساد المالي أقل خطراً من نماذج الفساد الأخرى، أو لعل هذا النوع من الفساد هو نتاج فساد في جوانب حياتية مغايرة، وبالتالي فإن قطع دابر الفساد المالي لايعني تجفيف منابع الفساد، وهذا يوازي تماماً عملنا في مكافحة الفيروسات على أجهزة الحاسوب، فليس المهم أن نحذف من الجهاز ملفاً أصيب بالفيروس، لأن الفيروس قادر على إصابة ملف آخر، لكن المهم أن نحذف الفيروس نفسه، وحتى نفرق بين الفيروس وبين الملف الذي نحتاجه علينا أن نحدد عناصر الفيروس )نوعه ـ تأثيراته ـ موقعه ـ الطريقة الكفيلة بالقضاء عليه... إلخ( ‏
إذاً نحن بحاجة إلى تعريف محدد للفساد، ومن ثم إلى دراسة مسحية لمستوى انتشاره، وقياس هذا الانتشار وفق معاملات واضحة ومحددة، وبعدها يمكننا وضع الخطة القادرة على تحديد آليات عمل وفق نسب إنجاز تعتمد على التقييس الدقيق وفق برامج زمنية محددة، وهذا قد يحتاج إلى فترة زمنية طويلة لكن كلاً منا سيكون على ثقة بأن الفساد سينتهي في يوم آت. ‏
في البحث عن حل عملي لايمكن لأي أسلوب أن يحقق هذا الإنجاز إذا تدخل فيه العامل الشخصي، ويبقى الأسلوب الوحيد هو الأتمتة التي تلغي كل مغريات الفساد ومقوماته. ‏

تشرين‏

ليست هناك تعليقات: