السبت، رجب 22، 1426

تأهب لمعركة بدون سلاح!

لا لا لا تحمل سلاحاً و تتلفت من حولك فخصمك لن يباغتك من أية جهة خارجية ، لا تنظر في ‏المرآة نعم أعرف أنك تعرف هذا الشخص فهو ربما أفضل من عرفت حتى الآن، خصمك في داخلك ‏و لكن لا تبتلع سكيناً أو سماً فنحن لا نريدك أن تقتل هذا الخصم بل نريدك فقط أن تهزمه..‏

هنالك مقولة جميلة أؤمن بها إلى حدٍ كبير تقول : " لا يمكن لأحد أن يشعرك بالدونية بدون ‏موافقتك " و في اللغة العربية نقول ذ َلَ الرجل ( بفتح الذال) و لا نقول ذُل المرء ( بضم الذال) و ‏يمكن أن يُهان المرء بفعل خارجي و لكن لا يمكن أن يُذل بفعل خارجي فالذل فعل ذاتي يحصل من ‏الداخل و عليه فإننا نحن السوريون في نشيدنا الوطني نقول " أبت أن تَذل النفوسُ الكرام" بفتح ‏التاء.‏

فالهزيمة الداخلية هي قرار ذاتي و علينا أن نعي ذلك، نعم الإنسان صنيعة بيئته و مجتمعه على ‏اختلاف توجهاته، و الأصل في حل أية مشكلة أن نتوجه للسبب و ليس إلى النتيجة و لكن في هذه ‏الحالة السبب معروف و لا يمكن تغييره لدى أي إنسان في لحظة ما من عمره بمعنى أن الإنسان ‏عندما يبدأ بوعي ذاته يكون أمام خيارين- و هنا يكمن قراره - إما أن يبدأ بالتغيير الواعي لأن ‏‏( تركيبته ) الحالية ليست قدراً محتوماً و إما أن يتغير بحكم الزمن و الظروف و الأحداث .. و هذا ‏تغير طبيعي و لكن غير واعي، أي أنه لا إرادي.‏

ما علاقة ذلك كله بوضعنا نحن السوريون؟؟ ‏

كثرت الأحاديث و المحاورات و المداولات و الدراسات و القرارات ... عن الوضع في سورية ‏و الفساد و الإصلاح و التطوير و.. و قد تم تشخيص المشاكل (المعروفة لنا أصلاً ) و أيضأً تناولت ‏بعض هذه المداولات الحلول الممكنة و أقلها تناول آليات للعمل و إن كان معظم من أدلى بدلوه من ‏غير أصحاب القرار.‏

من قبل هذه المرحلة يجري الحديث - في سورية وغيرها - عن بناء الإنسان و المقصود بهذا البناء ‏بحسب الطروحات و التوجهات ( النظرية ) هو البناء المعرفي و الفني في تخصصات علمية ‏أو عملية و غالباً ماً يهمل الجانب الذاتي من هذا البناء و الذي تهتم به علوم التنمية البشرية اليوم، بل ‏و يتقدم على البناء المعرفي للإنسان بدرجات، فمن المعروف أن اكتساب المهارات المعرفية يتم في ‏المدارس و الجامعات و الدورات و غيرها من مصادر العلوم، و لكن ما هي المهارات الذاتية التي ‏يجب اكتسابها أو صناعتها أو زراعتها ليكون الفرد قادراً على العطاء؟ إنها صفات و قيم مثل ‏المبادرة و التحفز و الكرم و الشجاعة و الغيرية و الإيثار و الولاء و المراقبة الذاتية والأمانة ‏و الإخلاص و استثمار الوقت و الحرص على التطور و التعلم و الإبداع و التفكير الإيجابي ... ‏و لأسأل سؤالاً : إذا افترضنا أن شخصاً ما في بيئة معينة لا تزرع هذه القيم و على فرض أن هذا ‏الشخص استطاع بطريقة ما أن يدرس و يتخرج مهندس مثلاً فكيف نتوقع أن يكون مستوى أداؤه ‏كمهندس؟؟ و على سبيل المثال أيضاً إذا أردنا أن نوظف في مكان ما محاسباً يتمتع بالأمانة و هما ‏صفتان مهنية و ذاتية فهل من الأسهل أن أجد محاسباً ( غير أمين ) و أعلمه الأمانة؟ أم أجد شخصاً ‏أميناً لا يعرف المحاسبة و أعلمه المحاسبة؟؟. ‏

يجب أن نقر أن هنالك تغييرات إيجابية بدأت بالفعل في سورية و لن أناقش سرعتها و آليتها ‏و أشخاصها و أنا أريد مثل معظم أهل البلد أن أستيقظ ذات يوم و أرى التغيير شاملاً عاماً و البلاد ‏تنعم برخاء و قد تخلصت من الفساد و المفسدين و طبعاً هذا لن يحدث لأنه ليس هنالك خط حدي بين ‏الأسود و الأبيض بل لا بد من المرور عبر اللون الرمادي، و إذا كان هذا التغيير يعنينا و قد تم ‏تشخيص الخلل و بسهولة لأنه بادٍ للعيان، ألم يأنِِ الأوان لننتقل جميعنا إلى مرحلة العمل الخلاق ‏و المبادرة كل من موقعه؟ لقد عانى المواطن في سورية ما عانى من إحباطات و انتكاسات و قهر ‏و هزائم داخلية و هي الأشد مرارة، لقد أنتجنا في سورية إنساناً مهزوماً من الداخل، مهزوماً أمام ‏السلطة و أمام رئيسه في العمل و أمام رغيف الخبز و أمام المواصلات و أمام العدالة و أمام حياته ‏اليومية بل و حتى أمام أهل بيته و أولاده و الأقسى أنه مهزوم أمام نفسه، نعم فإنساننا هُزم أمام ‏نفسه فحمل هذه الهزيمة في أعماقه بكل ما تحوي من قهر و قمع و مهانة و تقوقع و يأس ‏و انكسار و بات يورثها لمن بعده على أنها الأصل في الحياة و أنها أمراً واقعاً أو قدراً محتوماً، أما ‏آن الأوان لنخرج من دائرة الظلمة و الملامة و التقوقع و القهر و التذمر و الانكفاء على الذات إلى ‏دائرة الفعل الإيجابي السلمي الواعي الهادف المنتظم؟؟ أما آن الأوان؟؟؟ ‏

أنا لا أعفي أحداً و لا أحاسب أحداً و أصلاً لا يحق لي ذلك، كما أنني لا أدافع عن أحد، و لكني أتكلم ‏كمواطن يؤلمه أن تستمر حالة التشرذم مع الذات و تبدد الطاقات و اجترار الأسى، إننا في سورية ‏معنيون جميعاً ( حكومة و شعباً، كباراً و صغاراً، رجالاً و نساءً.. ) بالتغيير و العنصر الأهم في هذا ‏التغيير هو الإنسان بكل ما يعنيه و ما يحويه من خبرات و قدرات و قيم و أصر أن بناء القيم الذاتية ‏و زرعها سيكون المنطلق، و قد سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم ربه في الحديث الصحيح أن ‏يمنحه القيم الذاتية من علو الهمة و الكرم و التفاؤل و الإيجابية و الشجاعة و الإيثار و استعاذ من ‏القهر و القمع بحديثه المعروف : " اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و أعوذ بك من العجز ‏و الكسل و أعوذ بك من الجبن و البخل و من غلبة الدين و قهر الرجال...". لنغير طريقة تفكيرنا ‏نحو أنفسنا أولاً، لنكتشف عوالمنا الداخلية فكل منا لديه من الإمكانيات ما قد يفاجئه هو ذاته، لننظر ‏بإيجابية إلى كل ما حولنا لنمنح أنفسنا و غيرنا فرصة جديدة مختلفة و يحضرني مشهد سيدنا عيسى ‏عليه السلام حين مر و أصحابه على جيفة فتقزز الأصحاب و نعتوها بصفات سيئة هي فيها فقال ‏عليه السلام : انظروا ما أشد بياض أسنانها!!‏

إن التغيير لن يأتي بل علينا أن نصنعه أو نذهب إليه ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ‏بأنفسهم)، ربما وعى الغرب ( و الشرق أيضاً ) حقيقة أهمية بناء الإنسان من الداخل فتقدموا علينا مع ‏أن التاريخ يذكر لنا أن صلاح الدين الأيوبي حين أخذ على عاتقه مهمة محاربة الصليبين لم يسعَ إلى ‏إعداد الجيوش أولاً بل سعى إلى بناء الإنسان و تحصينه من الداخل!! و نحن لم يسبقنا - العالم الذي ‏يدعي الحضارة اليوم - لم يسبقنا بكثرة و تنوع و تقدم العلوم – على أهميتها – بل سبقنا بالالتزام ‏و الإيمان بالإنسان من خلال التركيز عليه لأنه سوف يحمل على عاتقه مسؤولية البناء المادي و نحن ‏العرب و المسلمون و المسيحيون حملنا الله سبحانه و تعالى مسؤولية بناء الإنسان فتخلينا عن الرسالة ‏و المسؤولية فتهنا...‏

المسلمون لم يفتحوا العالم بكثرة العدد و العدة بل فتحوها بالإيمان المتمكن من الصدور و القلوب ‏و العقول، يمكن لقائد أن يحارب مع جند يؤمنون بربهم و بأنفسهم و بسلاح عادي، و لا يمكن أن ‏يحارب بجند مدججين خائرين من الداخل قرروا الانهزام قبل بدء المعركة.‏

نحن السوريون في مركب واحد شئنا أم أبينا، لنكبر بأنفسنا بقيمنا بأخلاقنا، لنثق بربنا بأنفسنا بشعبنا ‏بإمكاناتنا لنتحرك و نبادر و لا نكتفي بالمراقبة من خلف الستار أو من أمامه، لقد تحرك السوريون ‏في حملة رائعة لتنظيف الشاطئ السوري رائدهم حب الوطن، و من منا لا يحب الوطن؟؟ ‏

في حالة النظافة العامة مثلاً قد أقف كمواطن في ثلاثة مواقف رئيسية : إما أن أرمي الأوساخ في ‏الشارع أو لا أرميها و قد أساهم في التنظيف.. فأين أنت من ذاك؟ و عليها فقس..‏

هبوا أيها السوريون إنها حرب سلاحها الإرادة أعلنوها على أنفسكم التي بين جنباتكم و اهزموها، ‏اهزموا العجز و الكسل و الترهل، اهزموا اللوم و السلبية و التفرج، اكتشفوا مكامن القوة الموجودة ‏افتحوا بوابات العمل و الأمل و التفاؤل و الآفاق الرحبة جدوا الحلول و اسعوا إليها أو اصنعوها، ثقوا ‏بالله و بأنفسكم فسورية غاليتنا تنتظر منا الكثير الكثير، دعونا نحمل الأجيال تركة غير ما حُملنا ‏و كلنا معنيون ، إنها الحرب.‏

د. عماد

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

يتغير الناس بالإرادة الداخلية, لكن قبل المطالبة بالتغير يجب توعيتهم ما هو التغير نحو الصحيح, و هل هناك تغير صحيح واحد أم تعدد الحلول و الخيارات لهدف واحد؟
أعتقد أن الأمر أعقد من مجرد رمي الأوساخ في القمامة. الشعب مطالب بوعي عام في كل المجالات, و لكن هل نلقنه بما سيفعل خطوة خطوة؟ أم نترك له المجال ليتغير كما يراه هو مناسباً؟
أم نخلط بين الحلين بحذر؟