الأحد، ربيع الآخر 28، 1426

لا اصلاح قبل زيادة الدخل

لا زالت الدولة مشغولة حاليا ومنذ سنوات بقضايا الإصلاح والقضاء على الفساد ولكن دون نتائج ملحوظة. كما تبين أن شعار الإصلاح والتحديث أستغل من قبل طبقة جديدة من راكبي الموجة اللاهثين دائماً وراء الظهور والمناصب والمكاسب,، مما أدى وسيؤدي إلى خيبة كبيرة في الكثيرين ممن تم اختيارهم لمواقع إدارية ووزارية مختلفة، بل وبمسيرة التطوير والتحديث.

هنا أريد أن أطرح تحليلا بسيطا ووجهة نظر للخروج من هذه الحالة, وهي وجهة نظر يجب أن تكون سابقة أو موازية لجهود الإصلاح الأخرى. التحليل بسيط جدا ويعتمد على طبيعتنا كبشر:

ما دام مستوى الدخل الرسمي لا يكفي الحاجات الأساسية (ويمكن تضمين الخدمات الحديثة في الحاجات الأساسية: السيارة, وسائل الاتصال الحديثة, الانترنت..) لعائلة صغيرة مكونة من أربعة أفراد حتى لو كان رب الأسرة موظفا من الدرجة الممتازة.

فستكون النتيجة مقاصد وأهدافا شخصية وراء كل ظهور واندفاع للمشاركة في مشروع الإصلاح وستكون نسبة المخلصين ضعيفة وأداؤهم أضعف، وسيبحث الآخرون عن وسائل مختلفة لردم الهوة ما بين حاجاتهم ودخل وظيفتهم. هذا باختصار سبب ضعف الأداء والترهل واللامبالاة وهي ظواهر مختلفة للفساد.

ما هو احتمال أن يتحول الموظف إلى عنصر فاعل يبحث عن حلول لتحسين الأداء في موقعه ويشارك في تطوير بيئته، بينما هو يبحث يمنة ويسرة ليوفر لنفسه ولعائلته أبسط الحاجات ؟؟؟. احتمال ضعيف.



بالنتيجة, ستكون الطريق طويلة وغير مضمونة, وستؤدي على الأغلب لاستبدال طبقة إدارية بأخرى، بأمراض لها مظاهر مختلفة ولكنها من حيث الجوهر: الفساد بمختلف أشكاله نظرا للحاجة.

طبعاً هناك فساد من نمط الفساد العالمي وهو فساد دوافعه إجرامية ومعالجته تتم بطرق أخرى.

المقترح: أن يكون الهدف الأول زيادة الدخل بشكل كبير جدا وخلال زمن قصير عن طريق موارد إضافية ولو بالاقتراض (نقترض للبنية التحتية الآن رغم أن الإنسان هو أهم بنية تحتية).

وقد يكون من المفيد جداً تعديل الموازنة بحيث نلغي بند الاستثمار في القطاعات العامة الخاسرة لصالح بند الأجور والرواتب.

وأقترح هنا أن تكون الزيادة كبيرة ولكن مع التدرج في التطبيق قطاع بقطاع، بدلاً من زيادات تدريجية للجميع. وأقترح البدء بزيادة دخل الوظائف العامة الأساسية والتي تؤمن مستقبل الوطن وهي:

- قطاع التعليم والبحث. (إعادة دور التعليم وقيمة المعلم والاستثمار في المستقبل)

- القضاء وهيئات الرقابة. (المساهمة في إعادة النزاهة إلى القضاء والرقابة)

- الجيش وقوى الأمن. (الكرامة لمن يحمي أمن الوطن)

- الوظائف السياسية والإدارية الأساسية (وزراء، مدراء عامين ....)



يسمح هكذا إجراء بإعادة دور الطبقة الوسطى وهي الطبقة الفاعلة التي تلعب دور المحرك الأساسي للتنمية وللتطوير في جميع المجتمعات، وإعادة القيم التي تقوم على احترام العلم والقانون والوطن.



طبعا يجب أن يترافق هذا الإجراء مع تعديل القوانين الضريبية بحيث يتم توزيع الأعباء بشكل عادل، وإلغاء جميع أنواع الدعم ، والاستعاضة عنه بدعم مباشر للفئات المحتاجة.

ومع إرساء نظام محاسبة وقضاء وصحافة مستقل عن السلطة التنفيذية تماما، وشفافية تامة حيث لا وصي على المواطن إلا من يختاره ويستطيع محاسبته. وسيكفل تحسن الأداء الناتج عن الراحة النفسية والمعنوية للموظفين وتحريرهم من الحاجة إلى الطرق الملتوية للعيش, بإيفاء الدين وتحريك الدولاب بسرعة, أما إذا انتظرنا زيادة الإنتاج لزيادة الدخل فقد ننتظر طويلا ومن دون ضمانة.


الإيجابيات:

1. إلغاء الحاجة للوسائل الملتوية واستغلال السلطة الوظيفية بهدف الحصول على ميزات.

2. إلغاء الحاجة للعمل بعد الدوام مع انعكاس مباشر على معدل البطالة (نسبة كبيرة من الموظفين يعملون الآن عملا مسائيا يمكن أن يشغله عاطل عن العمل لاحقا ).
وأقترح تحويل أموال مكافحة البطالة إلى استثمارات أخرى.

3. الحد من هجرة العقول لأسباب مادية، (نسبة كبيرة من مدرسي الجامعات يغادرون إلى الخليج والجامعات الخاصة).

4. الحد من الهجرة بشكل عام، وتحفيز حقيقي لعودة المغتربين.

دعونا نتسائل لماذا تهاجر كوادرنا وصفوة خريجي جامعاتنا ؟ أليس الدافع المادي من أهم الدوافع الحقيقية. لماذا يتجشم مدرس في جامعة دمشق أو حلب عناء السفر يومين أسبوعياً إلى الأردن (بعضهم في الوزارة الآن !!)؟ أليس ذلك من أجل حياة كريمة له ولعائلته ؟؟ لماذا يهاجر مهندس أو حرفي ماهر إلى الخليج ؟؟؟....

5. تحريض الاستهلاك وإنعاش الدورة الاقتصادية مما يحسن من وضع القطاع الإنتاجي والخدمي العام والخاص بشكل كبير جدا، وبالتالي زيادة معدل النمو.

6. تحريض الادخار الفعال والاستثمار في الشركات المساهمة من قبل الشريحة المتوسطة.

7. تأمين بيئة مناسبة لكافة الإصلاحات الإدارية والاقتصادية والسياسية.

8. التخلص من بعض نشاطات الدولة الإنتاجية غير الإستراتيجية والخاسرة بشكل مزمن.

9. الحد من الحاجة لعقد عشرات المؤتمرات والندوات والمحاضرات لتنشيط الاستثمار ولتحسن الأداء، حيث أن المحرك الأساسي وهو المحرك المادي يصبح متوفراً للجميع.


السلبيات الممكنة:

1- قد يرفض البعض هذا الحل بحجة زيادة المديونية ومنعكساتها على الأجيال القادمة, وهذا الأمر يمكن تلافيه من خلال إدارة مالية واقتصادية فعالة مقرونة بنظام قضائي ومحاسبي كما أن المديونية يمكن أن تكون داخلية من طرح الدولة لسندات خزينة بفائدة مقبولة (أو استثمار ودائع التوفير الحالية المقدرة بعشرات المليارات ولا حاجة لتمويل زيادة الدخل بالاستدانة الخارجية).

2- الخوف من تحريض التضخم، ويمكن أن تقوم أجهزة الدولة بإبقائه ضمن حدود مقبولة عن طريق زيادة الإنتاجية التي ستنتج عن تحسن أداء العامل والموظف، وعن طريق زيادة نسبة النمو.

3- الخوف من زيادة استهلاك منتجات مستوردة, ويمكن تعويض أثره السلبي عن طريق زيادة الصادرات نتيجة تحسن الإنتاجية وتخفيض الكلفة المنسوبة إلى (الإجراءات الطفيلية والنفقات الجانبية الحالية) ضعف الأداء، والتي ستخف تلقائيا نتيجة لزيادة دخل العاملين، كما أن بإمكان الدولة زيادة وتشجيع الاستثمارات في مجال إنتاج السلع المستوردة حاليا (سيارات, وسائل الاتصالات.. الخ). وزيادة ضرائب الأنفاق الاستهلاكي على بعض المواد المستوردة لفترات محددة ووفق الضرورات.

ليست هناك تعليقات: