الجمعة، جمادى الأولى 10، 1426

إلى من يهمه الأمر.. حول مكافحة الفسا د - د. علي خضر

هناك اجماع من الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية بكل اطيافها وفي مقدمهم فعاليات حزب البعث العربي الاشتراكي، على ان هناك مجموعة من التحديات تواجه العديد من المفاصل الاقتصادية والادارية ويشاطر السوريين هذا الرأي كافة المتتبعين للشأن السوري على المستويين الاقليمي والدولي. ولعل مؤشرات الاداء الاقتصادي والاداري في كافة المحافظات وفروع الاقتصاد الوطني الانتاجية منها والخدمية والتي اضحت معروفة للجميع سواء من خلال الارقام والنسب التي تعلن عنها اجهزة الادارة الرسمية او من خلال نتائج الدراسات والبحوث التي يقوم بها الاكاديميون من داخل سورية وخارجها، والتي تشير بكل وضوح الى النتائج المتحققة على الارض لا تتوافق بالمطلق مع امكانات سورية ومواردها البشرية والمادية من جهة ولامع طموحات قيادتها السياسية ومتطلبات مجتمعها من جهة ثانية.

ان هذا الواقع الذي تم تشخيصه من خلال العديد من اللجان المتخصصة وفرق العمل البحثية كان من اهم المحاور التي ناقشها باسهاب اعضاء المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي انعقد ما بين السادس ولغاية التاسع من شهر حزيران لهذا العام، حيث تم تسليط الضوء على مجموعة من المحاور الرئيسية وهي: الاصلاح الاقتصادي، الاصلاح الاداري، مكافحة الهدر والفساد، والعمل على ايجاد الآليات المناسبة الكفيلة باعداد السياسات والخطط والبرامج الضرورية للاقلاع بعملية الاصلاح الشامل ومكافحة الفساد. ‏

لقد كان صدى نتائج اعمال المؤتمر بالنسبة للقضايا السياسية والاقتصادية وحتى التنظيمية ايجابياً الى حد كبير في اوساط محبي الوطن والغيارى عليه باستثناء حفنة من المشككين الذين يعتقدون أنه لا جديد في مخرجات هذا المؤتمر مؤكدين بأنها تكرار لما سبق وتم اقرارها في مؤتمرات سابقة دون ان يكون لذلك منعكس حقيقي على أرض الواقع متجاهلين عن قصد بالنسبة للبعض او عن غير قصد للبعض الآخر بأن هذا المؤتمر هو انعطافي من حيث نتائجه من جهة ومن حيث التصميم والاصرار من قيادة الحزب على تنفيذ كافة توصياته ومقرراته من جهة ثانية. ‏

على الأقل هذا ما لمسناه من خلال لقاءاتنا مع الكثير من المؤتمرين الذين اكدوا بالاجماع بأن السلطة السياسية بقيادة السيد رئيس الجمهورية وبتأكيد مباشر منه على ضرورة تنفيذ مضامين كافة توصيات ومقررات المؤتمر من خلال خلق التنسيق والتفاعل الايجابي الملائم ما بين السلطة السياسية والتنفيذية والفعاليات الوطنية في سبيل اعداد الخطط والبرامج الزمنية الملاءمة والعمل على تنفيذها ومتابعتها وتقويمها والتدخل في الوقت المناسب لتصحيح الانحرافات في حال وجودها. ‏

واريد في هذا الشأن التوقف عند مسألة في غاية الأهمية اقرها المؤتمر العاشر للحزب ألا وهي مسألة مكافحة الفساد وايجاد الآليات المناسبة لتنفيذ هذا المشروع الحيوي الذي تجمع عليه القوى السياسية والفعاليات الاقتصادية والثقافية والفكرية وكافة اطياف المجتمع السوري، وذلك من اجل الوقوف صفاً واحداً الى جنب كل من سيساهم في بلورة وترجمة هذا المشروع الى برنامج تنفيذي قد يكون طويل الأمد، لكن لابد من الاقلاع به بعد اعداد الدراسات التشخيصية وفق منهجية علمية سليمة تحدد الاسباب الرئيسية لاستشراء هذه الظاهرة الخبيثة تمهيداً لوضع السيناريو المناسب لاجتثاثها من جذورها ومعالجة كافة نتائجها في كافة مفاصل الادارة العامة والخاصة. ‏

وهنا لابد من العمل على تحديد الوعاء التنظيمي الذي سيكون مسؤولاً عن ممارسة هذا النشاط المهم والحيوي والمعقد والمتداخل والذي يمكن ان يطول رموزاً ليس من اليسير التعاطي معها دون وجود تغطية قانونية وحماية مباشرة من رئاسة الجمهورية، وبالتالي من المهم تحديد التبعية الادارية لجهاز مكافحة الفساد، والاحتمالات الممكنة هي: ‏

أ ـ تبعية جهاز مكافحة الفساد لرئاسة الجمهورية مباشرة، نعتقد أنه في ظل الظروف السائدة الآن في سورية من المفيد جداً ان يتبع هذا الجهاز لرئاسة الجمهورية وذلك من اجل رفده بالكفاءات والمهارات الفنية والادارية والقانونية والاقتصادية المتميزة والموصوفة بالنزاهة والحيادية من جهة ولضمان الحماية القانونية لعناصر هذا الجهاز من جهة ثانية، حيث ستعترض هؤلاء عقبات كثيرة هم بحاجة لراعي المشروع المباشر للمساهمة في تجاوزها. ‏

ب ـ تبعية جهاز مكافحة الفساد لقيادة الحزب مباشرة، قد تكون هذه الصيغة مناسبة في اطار فصل الحزب عن السلطة وتجسيد دوره بشكل اكثر فاعلية في مجال المتابعة والرقابة ومكافحة الهدر والفساد، لكن قد يكون رأي آخر لغير البعثيين الذين يعتقدون أن جهاز مكافحة الفساد يجب ان يكون مستقلاً ومحايداً وله صفة تمثيل كافة القيادات الوطنية. ‏

ج ـ تبعية جهاز مكافحة الفساد لقيادة الجبهة الوطنية التقدمية: في حال اتيحت امكانية اعادة هيكلتها وتعديل مهامها ووظائفها ورفدها بالكفاءات والمهارت المطلوبة، قد تساعد هذه الصيغة على تفعيل عمل هذه الجبهة واعطائها المزيد من الفاعلية لا سيما انه من المأمول ان احزاباً سياسية وطنية اخرى قد تنضم الى جسم الجبهة لتتسع قاعدة تمثيلها لكافة الفعاليات السياسية التي يمكن ان تمارس دورها بحرية في اطار القوانين النافذة. ‏

د ـ تبعية جهاز مكافحة الفساد لرئاسة مجلس الوزراء. اعتقد ان التجارب الوطنية والعربية والعالمية اثبتت عدم جدوى تبعية هذا الشكل من الاجهزة لرئاسة مجلس الوزراء ، وذلك لأن اجهزة الادارة العامة وغيرها معنية بالمساءلة المباشرة، لذلك لا يمكن ان تكون رئاسة مجلس الوزراء هي الخصم والحكم في ذات الوقت. ‏

هـ ـ تبعية جهار مكافحة الفساد لمجلس الشعب: بما ان المجلس من احدى مهامه الرئيسة متابعة ومراقبة اعمال السلطة التنفيذية واتخاذ الاجراءات المناسبة بحقها في حال تقصيرها او مخالفتها فقد يكون من المناسب التفكير بأن يتبع هذا الجهاز لمجلس الشعب. ‏

و ـ تبعية جهاز مكافحة الفساد لوزارة العدل، قد تكون هذه التبعية في الوقت الحاضر غير مناسبة انطلاقاً من ان العديد من الفعاليات المحلية والعربية والدولية توجه رسائل واضحة لجهة ضرورة اتخاذ مجموعة من الاجراءات الاصلاحية على مستوى وزارة العدل، لاسيما ان هذا الموضوع قد خصص له حيز مناسب في مناقشات المؤتمر العاشر للحزب. ‏

ز ـ في ذات الوقت توجد اجهزة اخرى لها هياكلها وتمارس مهامها منذ عشرات السنين في ميدان الرقابة والمتابعة والمساءلة كالهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية فإنه في حال تعديل قوانين احداثها وهياكلها التنظيمية واهدافها ووظائفها وملاكاتها العددية وانظمتها الداخلية والعمل على وضعها امام مسؤولياتها ورفدها بالأطر الكفوءة والفاعلة والنزيهة فقد يصبح ممكناً لها ان تلعب الدور الذي سينوط بجهاز مكافحة الفساد. لكن وبكل اسف لا تزال درجة ثقة غالبية المواطنين والمؤسسات الحكومية غير كبيرة بهاتين المؤسستين. ‏

ط ـ الى جانب ما تقدم فإن مسألة تفعيل دور وسائل الاعلام والخاصة والمؤسسات غير الرسمية ذات الطبيعية الوطنية البحتة وغير المرتبطة بالخارج يمكن ان تساهم بكفاءة وفاعلية في تسليط الضوء على مواقع الخلل والفساد والافساد ويمكن لها ان تصبح كياناً مهماً وداعماً لجهاز مكافحة الفساد. ‏

وبالتالي فإن اختيار الشكل التنظيمي لجهاز مكافحة الفساد وتحديد تبعيته الادارية ومهامه ومسؤولياتها واختيار ادارته وطواقمه الوظيفية سيكون لها الدور المحوري في بيان درجة جدية هذا الجهاز وقدرته على القيام بواجباته ومسؤولياته تجاه حماية مقدرات الوطن والمواطن، ولا أدعي هنا القدرة على تحديد شكل الجهاز وهيكله ووظائفه ومهامه بل نقترح ان يتم تشكيل لجنة وطنية حيادية ومستقلة مكونة من مجموعة من الخبراء في مجالات القانون والادارة والاقتصاد وبعض الاختصاصات الفنية تدرس ما السبل الاكثر نجاعة لتقديم مشروع متكامل لإحداث جهاز مكافحة الفساد. ‏

وقد يكون من المناسب ان نطرح سؤالاً على غاية من الاهمية في الوقت الحاضر ألا وهو: هل يوجد ضرورة فعلاً لإضافة جسم بيروقراطي جديد كجهاز مكافحة الفساد قد يكون عبئاً على اجهزة الادارة العامة في ظل وجود اجهزة متعددة تعنى بمسائل الرقابة والمساءلة لاسيما ان هناك تخمة واضحة من اجهزة الرقابة الكثيرة والمتنوعة والتي تشكو منها المؤسسات الرسمية وكوادر الادارة الحكومية في كافة مفاصلها على اعتبار انها لو قامت بواجباتها كما هو محدد لها في قوانين ومراسيم احداثها لما وصلت درجة الفساد الى هذا المستوى من الانتشار في غالبية مفاصل الادارة العامة. ‏

وبالتالي الأمر يتوقف على درجة اهلية وشفافية ومصداقية الجهاز المنوي احداثه لمكافحة الفساد وتفعيله الى اقصى درجات التفعيل وإلا فستكون حلقة جديدة واضافية من حلقات الاحباط التي ستصيب الغيارى على هذا الوطن، لذا فإن المطلوب التأكيد على جملة من القضايا المتصلة بتوفير البيئة المناسبة لمكافحة الفساد وهي: ‏

ـ الانتصار لدولة القانون والمؤسسات ووضع الجميع تحت سقف القانون دونما استثناء. ‏

ـ اشراك كافة القوى الوطنية في برنامج مكافحة الفساد ومعالجة نتائجه. ‏

ـ تفعيل استقلالية القضاء واجهزته المختلفة. ‏

ـ التأسيس التربوي والاخلاقي والاجتماعي لنبذ ورفض الفساد بكافة مظاهره واشكاله. ‏

ـ فلنبدأ من الفساد الأكبر باتجاه الفساد الأصغر، ولتكن نقطة الانطلاق هي محاسبة المخطئين والمقصرين من القائمين على المؤسسات السياسية بمختلف مواقعها باتجاه القائمين على المؤسسات الاقتصادية الانتاجية والخدمية. ‏

اضافة الى ما تقدم فإن جهاز مكافحة الفساد المنوي احداثه لا يمكنه بمفرده ان يقوم بالمهام التي ستوكل إليه دون التعاون مع العديد من الاجهزة والفعاليات ذات الطابع الاعلامي والثقافي والتربوي التي يفترض ان تكون عوناً لهذا الجهاز، وذلك من خلال التمهيد للتعريف بالفساد واخطاره وآثاره الحالية والمستقبلية على المجتمع والاقتصاد الوطني عبر سياسة تعليمية ـ تربوية تثقيفية مدروسة بشكل منهجي غايتها الرئيسة القضاء على ثقافة الفساد واجتثاثها من جذورها. ‏

ولعل مسألة تخليص المجتمع والعاملين في مختلف مفاصل العمل صغيرها وكبيرها من استشراء ثقافة الفساد اكبر اهمية من عملية المساءلة والمحاسبة بحد ذاتها، وهذا الامر يحتاج الى تضافر جهور مجموعة من الباحثين والاكاديميين والتطبيقيين في مجالات التربية والاقتصاد وعلم النفس والادارة والاعلام لاعداد السياسة المتكاملة الرامية الى محاصرة ثقافة الفساد تمهيداً لتقليصها تدريجياً ومن ثم الحد منها الى اكبر درجة ممكنة في اطار من المتابعة والتقويم وتعديل ما يلزم تعديله وطرح مجموعة من الاضافات الى جسم هذه السياسة التربوية ـ التثقيفية. ‏

ومن الموضوعات التي قد تستحق الوقفة عندها هي الفترة الزمنية التي سيطولها مشروع مكافحة الهدر والفساد، وبالتالي من المفيد الاجابة مسبقاً عن مجموعة من التساولات المشروعة وهي: ‏

هل سيكون للمساءلة مفعول رجعي؟ ‏

ما القطاعات والفعاليات التي يمكن ان تخضع للمساءلة وكيفية تحديدها؟ ‏

ما الموضوعات التي ستندرج في اطار عمل جهاز مكافحة الفساد؟ ‏

هل نقول عفا الله عما مضى ونبدأ بالمساءلة ومكافحة الفساد اعتباراً من الآن؟ ‏

هل سنضع مشروعاً متكاملاً غايته الاساسية وضع معايير وضوابط جديدة «او تعديل القائم والمطبق منها» يمكن الاعتماد عليها في عمليات المحاسبة والمساءلة؟ ‏

هل سنضع استراتيجية مدروسة غايتها الحماية والوقاية من الفساد وويلاته وتداعياته؟ ‏

هل نطلع على تجارب الغير في مجال مكافحة الهدر والفساد ونعمل على الافادة منها في اطار قوانينا وانظمتنا وخصوصياتنا الثقافية؟ ‏

ان هذه التساؤلات وغيرها الكثير لابد ان تكون موضوعة على المشرحة وفي دائرة الضوء بالنسبة للاجهزة العليا من سياسية واقتصادية وادارية وتشريعية وقانونية من جهة وبالنسبة لمن سيقومون بعملية تصميم جهاز مكافحة الفساد وهيكله ومهامه ووظائفه وآليات عمله من جهة ثانية. ‏

انطلاقاً مما تقدم فإننا نهيب بالمعنيين بهذا الشأن ايلاء هذا الموضوع الاهمية التي يستحق واعطاءه البعد الزمني الكافي بعيداً عن التسرع، وذلك من اجل ان يخرج هذا المشروع الى حيز النور والى الواقع العملي مدروساً بعناية فائقة وبشكل متكامل ودون اية ثغرات عبر مجموعة من الاطر المتميزة والكفوءة والشجاعة والنزيهة والتي تقدر حق التقدير الأبعاد الكارثية للفساد على الاقتصاد الوطني والمجتمع بكامله في حال استمراره والنتائج الايجابية الكبيرة التي يمكن تحقيقها عبر التخلص من هذه الآفة اللعينة. ‏

كما وانه من المفيد هنا الاشارة الى ان الفساد ليس ظاهرة عرضية بل هي ظاهرة تاريخية ولا يخلو منها اي مجتمع من المجتمعات ولا نظام من الانظمة السياسية والاقتصادية، حيث اكدت العديد من الدراسات والمؤلفات على انتشار هذه الظاهرة في الدول المتقدمة مثل: الولايات المتحدة وبريطانيا وبلجيكا، وروسيا وفرنسا، واسبانيا، وايطاليا وغيرها من الدول، قبل ان تنتشر وتستشري في الدول النامية، وذلك بمشاركة فاعلة من الدول المتقدمة ذاتها على اعتبار ان الرشاوى لقاء الصفقات الكبيرة تدفعها الدول المتقدمة او شركاتها لوكلائها او لموظفين حكوميين في الدول النامية. اذن الفساد موجود في كل مكان في العام والخاص والمشترك في الدول المزدهرة وفي الدول المتخلفة لكن بنسب مختلفة ومتباينة، والفساد يغير خصائصه استجابة للعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاضعة للتغيير باستمرار، حيث يؤثر في هذه العوامل ويتأثر بها ما يساعد على الاستنتاج بأن الفساد عادة ما تصاحبه ديناميكية معينة تسمح بوجوده بأشكال وقوالب مختلفة. ‏

والدليل على صحة ما قدمنا ظهور ما يسمى «بقاموس الفساد» في فنزويلا عام 1989، ومولف آخر وضعه الفرنسي جيتنز في عام 1991، حيث ترد اسباب الفساد ودوافعه الى مجموعة من العوامل هي: ‏

تمتع المسؤولين العموميين بحرية واسعة في التصرف وعدم خضوعهم للمساءلة. ‏

التدخل الزائد والقيود الكبيرة التي تفرضها الاجهزة الحكومية على ممارسة بعض النشاطات واشاعة البيروقراطية. ‏

الاختلال في موازين الايرادات الفردية للموظفين العموميين وعدم كفايتها لمواجهة متطلبات الحياة. ‏

عدم تفعيل الانظمة والقوانين الخاصة بالمساءلة ومكافحة المفسدين. ‏

ضعف او انعدام الاخلاقيات الوظيفية. ‏

بينما يرى البعض أن اسباب الفساد الاداري تكمن في مجموعة من العوامل بمفاهيمها الواسعة مثل: الاسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية والتي يتفرع عن كل منها مجموعة من العوامل الفرعية لا نرى ضرورة للدخول في تفاصيلها. ‏

ومن أهم الاثار والنتائج المترتبة على ظاهرة الفساد والافساد في اي مجتمع هي: ‏

أ ـ اضعاف النمو الاقتصادي وزعزعة الثقة بمناخ وفرص الاستثمار. ‏

ب ـ الاساءة الى الاداء الاقتصادي وتشويه عناصر النفقات الحكومية. ‏

ج ـ ارتفاع تكاليف الصفقات وتراجع مستوى الجودة والخدمات المطلوبة. ‏

د ـ النيل من مصداقية الدولة ودرجة الموثوقية بها وبشرعيتها. ‏

هـ ـ ارتفاع التكاليف الادارية نتيجة لانخفاض العائدات الحكومية وزيادة المدفوعات. ‏

و ـ نزيف الموارد الى خارج البلاد والى جيوب وحسابات المستفيدين على حساب القطاع الحكومي والعاملين فيه والمجتمع. ‏

ز ـ تغليب الخاص على العام. ‏

ط ـ غياب او تراجع منظومة القيم الاخلاقية والوطنية والبعد عن الالتزام بالقوانين والانظمة النافذة وغير ذلك. ‏

بالرغم من كل النتائج والآثار السلبية لظاهرة الفساد إلا ان هناك بعض الباحثين امثال او سترفيلد لهم وجهة نظر ترى أن الفساد يمكن ان يكون مفيداً او ان تكون له وظيفة تتمثل في حماية النظام الاساسي الذي يظهر فيه وتجنيبه ويلات الانقلابات والازمات، على اعتبار ان الفساد يساعد على ظهور طبقة من المستفيدين ـ الفاسدين تعمل على حماية النظام ما يوفر فرص الاستقرار والامان في المجتمع، اضافة الى ان الفساد من وجهة نظر هؤلاء يساهم في رفع كفاءة الاداء لأنه يقود الى تيسير وتبسيط الاجراءات وتحسين معاملة البيروقراطية من الموظفين العموميين للمتعاملين، ويضيف اوسترفيلد: ان التصرفات الفاسدة تحرك الاقتصاد في اتجاه السوق الحرة وهي مفيدة، بعكس التصرفات التي تؤدي الى الجمود والانكفاء وبالتالي هي ضارة ومعيقة اقتصادياً. ‏

في الواقع لا يمكن الاتفاق مع وجهة النظر السابقة التي تشير الى ان الفساد قد يكون مفيداً، وذلك لأن تجارب كافة دول العالم تدل بشكل قاطع على ان استشراء ظاهرة الفساد في اي نظام وفي اي مجتمع ان لم تعالج في الوقت المناسب ستقود بكل تأكيد الى حدوث كوارث وازمات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة في نهاية المطاف. ‏



التدابير والإجراءات المؤسسية لمكافحة الفساد: ‏



ينتشر الفساد بشكل عام وملحوظ نتيجة لضعف اجهزة الادارة العامة رغم ان العديد من الباحثين يتوقف عند مشكلة انتشار الفساد في اوساط الطبقات السياسية وخاصة العليا منها مقارنة بأوساط الاداريين البيروقراطيين. وبما ان الفساد قد اضحى نظاماً وطريقة حياة في العديد من المجتمعات وكثير من الدول وخاصة على المستوى السياسي فإنه اصبح من الصعوبة بمكان السيطرة عليه وخاصة اذا كان مرتبطاً بنشاطات الدول والشركات الاجنبية، لاسيما انه توجد صعوبة كبيرة في الحؤول دون تمكين الفاسدين من القادة السياسيين والاداريين من تهريب واخراج اموالهم غير المشروعة الى خارج الحدود، وهذا الأمر ربما يستدعي وجود نوع من التعاون الدولي في محاربة الفساد. ‏

لقد اجمعت كافة الدراسات حول الاصلاح الاقتصادي والاداري ومكافحة الفساد على وجود طريقتين رئيسيتين لمكافحة هذه الظاهرة الاخيرة وهما: ‏



الأول ـ اعتماد سلسلة من القوانين والاجراءات والتدابير الوقائية ومساءلة ومقاضاة المرتكبين ‏

انزال العقوبات المنصوص عنها في القوانين والانظمة بهم. ‏

والثاني ـ اعداد سياسات الاصلاح الاداري وتنفيذها من خلال برامج محددة ‏



ان هاتين الطريقتين متكاملتان ولا يمكن لإحداهما ان تحل محل الاخرى، اذاً الخطوة الاولى على طريق مكافحة الفساد الاداري تبدأ باحداث تغييرات ادارية جوهرية واصلاحات داخلية في عموم القطاعات الانتاجية والخدمية، شريطة ان تراعي هذه الاصلاحات مجموعة من العوامل من اهمها: ‏

1 ـ ايلاء مسائل اخلاقيات الوظيفية والمسؤولية العامة الأهمية التي تستحق، والتركيز على عمليات الاختيار والتعيين والترقية الموضوعية والشفافة، وذلك من خلال اخضاع الفعاليات الادارية في الانساق الاولى والثانية لدورات تدريبية مكثفة. ‏

2 ـ اعتماد مسائل التدوير الوظيفي في اطار الوزارة او المؤسسة الواحدة وفيما بين الوزارات والمؤسسات الاخرى. ‏

3 ـ اعادة النظر بمسائل توزيع واعادة توزيع الدخل واعتماد سياسات رواتب واجور عادلة ومنصفة ومتماشية مع متطلبات الحياة المعيشية. ‏

4 ـ تقليص الى ادنى حد ممكن الفجوة بين الاجراءات الرسمية وغير الرسمية لأن كبر الفجوة يزيد مساحة الفساد. ‏

5 ـ اعتماد مواثيق وضوابط ومعايير تحدد اخلاقيات الوظيفة، وتحديد الاجراءات التأديبية المناسبة وايقاع العقوبات الصارمة بالمخالفين. ‏

6 ـ استخدام انظمة عادلة ومتقدمة لتقييم مستويات الاداء وتفعيلها ليصل كل ذي حق لحقه. ‏

7 ـ توفير قاعدة بيانات ومعلومات موثقة عن الفساد والفاسدين. ‏

8 ـ اعتماد انظمة رقابية صارمة ووقائية اكثر منها علاجية. ‏

9 ـ اشراك بعض المحللين والمدقيين الخارجيين بالنسبة لبعض القضايا الكبيرة التي يشتم منها رائحة الفساد. ‏

10 ـ الدعم الدائم والمساندة والاشراف المباشر من قبل القيادات السياسية العليا على كافة النشاطات المتصلة بمكافحة الفساد وتوفير البيئة المناسبة لممارسة هذه النشاطات. ‏

11 ـ التشهير بالفساد والفاسدين والمفسدين عبر وسائل الاعلام لكي يلاحقهم عار الفساد مدى الحياة. ‏

وتشير تجارب بعض الدول كسنغافورة والفلبين مثلاً التي اعتمدت على نظام فعال في مكافحة الفساد ارتكز على ثلاثة عناصر هي: ‏

الأول ـ اصدار قانون خاص بمكافحة الفساد. ‏

الثاني ـ وعي الجمهور في الابلاغ عن جميع اشكال الفساد. ‏

الثالث ـ انشاء مكتب خاص للتحقيق في ممارسات الفساد، وقد كانت لنتائج هذه السياسات اثار ايجابية على اقتصاد هذين البلدين. ‏

كما انه ومن خلال متابعاتنا لبعض الدراسات ونتائجها حول مكافحة الفساد فإن هناك شبه اجماع على مجموعة من المقترحات والتوصيات الهادفة لمحاربة الفساد والتي تتمثل في: ‏



1 ـ مجموع الاجراءات الوقائية التي يجب على اجهزة الادارة العامة العليا اتباعها وهي: ‏



ـ وضع استراتيجية لمكافحة الفساد في اطار خطط التنمية كجزء لا يتجزأ من برامجها. ‏

ـ توفير الشروط المهنية المناسبة على مستوى اجهزة الادارة العامة «اختيار وتعيين وترقية، تدريب وتأهيل، رواتب واجور مناسبة، اجراءات مبسطة، معايير اداء متقدمة..». ‏

ـ ان تستجيب الخدمات الحكومية لمتطلبات المتعاملين من حيث الجودة والتكلفة وزمن تلقي الخدمة. ‏

ـ ايضاح حقوق المواطنين وواجباتهم وتعزيز ثقافتهم القانونية. ‏

ـ توفير اقنية تلقي الشكاوي والاسراع في معالجتها. ‏

ـ تقديم كشوف من كبار الموظفين العموميين حول ذممهم المالية ومملتكاتهم. ‏

ـ اجراء التدقيق والكشف الفعال على اوجه صرف الاموال العامة. ‏

ـ اعتماد اجراءات فعالة وشفافة بالنسبة لطرح المناقصات وابرام العقود. ‏

ـ تعزيز النظم المصرفية لجهة منع هروب رؤوس الاموال والحيلولة دون التهرب من الضرائب والرسوم. ‏

ـ وضع قواعد تأديبية صارمة للمخالفين والمرتكبين. ‏

ـ الاهتمام بأخلاقيات الادارة وثقافتها. ‏

ـ اصدار الدليل الاخلاقي للوظيفة العامة. ‏



2 ـ مجموعة اجراءات التحقيق والاجراءات القانونية وتشتمل على: ‏



ـ التأكد من مدى ملاءمة التشريعات لمكافحة الفساد والعمل على تعديلها وتطويرها عند الضرورة. ‏

ـ اتخاذ خطوات فعالة للتعامل مع حالات غسل الاموال الناجمة عن الفساد الحكومي. ‏

ـ توفير نظام قضائي فعال قادر على البت بالقضايا المحالة اليه في اطار القوانين النافذة وبالسرعة المطلوبة. ‏

ـ تحديد اولويات اجهزة الرقابة والتحقيق. ‏

ـ استخدام فرق تحقيق داخلية واخرى خارجية عند الضرورة. ‏

ـ الحماية القانونية والمادية للشهود. ‏

ـ مصادرة الممتلكات التي تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة. ‏

ـ مراجعة الادلة والبراهين التي تدين الفساد في ضوء التشريعات العامة «د. عطية حسين افندي». ‏



3 ـ التعاون الاقليمي والدولي في مكافحة الفساد وتتضمن: ‏



ـ مصادرة الممتلكات المكتسبة بطرق غير شرعية وفق احكام معاهدة الامم المتحدة. ‏

ـ تقديم الامم المتحدة الدعم الفني لمحاربة الفساد. ‏

ـ مساعدة الامم المتحدة في طرح المناقصات الخاصة بمشروعات المعونة الدولية. ‏

ـ تبادل المعلومات مع الدول بالنسبة لقوانين وتقنيات الفساد وتبادل المواد والوثائق. ‏

ـ وضع ميثاق دولي لأخلاقيات الوظيفة. ‏

ـ دور منظمة الشفافية الدولية الهادفة الى مكافحة الفساد. ‏

انطلاقاً من البيان الختامي الصادر عن اعمال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي وتوجيهات السيد رئيس الجمهورية الذي اكد بشكل مباشر على ضرورة تبني السلطتين السياسية والتنفيذية مضامين هذا البيان والتي تحتوي على جوانب متصلة بالاصلاح الاقتصادي والاداري والعمل على مكافحة الفساد ومحاربته، وتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين فإننا نعتقد أن هذه القضايا التي تمثل مشروعاً وطنياً متكاملاً للنهوض بسورية والانتقال بها نحو منظومة متكاملة من القوانين والسياسات والخطط والبرامج الهادفة الى ترشيد استخدام امكاناتنا وطاقاتنا البشرية والمادية بما يتوافق ومعايير الاداء الاقتصادي والاداري الطموحة بعيداً عن الهدر والفساد والافساد من ابناء هذا الوطن في سبيل التعاون وتقديم المساعدة المطلوبة الكفيلة بانجاح مشروع مكافحة الفساد بكافة اشكاله، لأن هذا سيساعد بكل تأكيد على تعزيز قدراتنا الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة مجتمعنا وتصليب الجبهة الداخلية لتشكل متراساً حقيقياً في وجه التحديات الخارجية الظالمة التي تعترض لها سورية قيادة وحكومة وشعباً

ليست هناك تعليقات: