السبت، شعبان 20، 1426

الرشوة واللعنة

يُحكى أن رجلاً كان له معاملة في دائرة من الدوائر الرسمية وطلب من أحد الموظفين أن يساعده في إنجازها وبعد أن انتهى الأمر حسب الأصول وبشكل قانوني 100% قام الرجل بفك كيسه وقدم منه شيئاً للموظف الذي تقبل (الهدية) بوجه بشوش وعندما خرج المواطن صاحب المعاملة لحق به الموظف وأعاد له تلك الهدية فاستغرب الرجل هذا التصرف واستوضح الموظف فيما يفعل لكي يفهم على الأقل، فقال له الموظف: كنت مضطراً لذلك أمام زملائي الموظفين حتى لا يقال أنني أزاود عليهم بنظافة اليد والشفافية.. وقد حذروني من ذلك وإلا كادوا لي وحفروا لي وربما تخلصوا مني، وبهذا الفعل أبيع ضميري أمامهم ثم أعود وأشتريه خارج المكتب الوظيفي، فتعجب الرجل وقال له: إنه آخر الزمان. هذه الحادثة ليست جديدة ووقعت في القرن السابع عشر للميلاد أي أيام العثمانيين كما رواها الكاتب المعروف أمين معلوف في واحدة من رواياته المتميزة.. أما اليوم فحدث ولا حرج عن بيع الضمير والذمم ولأتفه الأسباب.. ف الرشاوى تضرب أطنابها من المستخدم ((البواب ))إلى المدير ورئيس الدائرة ولصاحب الفضل والمنة في تعيين هذا المدير وذاك المسؤول نصيب وافر من الرشوة التي أصبحت قاعدة وليست استثناء كما هو الحال أيام العثمانيين.
ويحكى أن أحد المراجعين لدائرة من الدوائر الرسمية وبعد أن ((شنشطه و مرمطه ))الموظف وهو يقول له: تعال بكرة تكون معاملتك جاهزة اضطر إلى أن يمد يده إلي جيبه ويكرم الموظف المسكين.. وبعد أن أنجز له معاملته القانونية التي لا غبار عليها دفع الموظف 100 ليرة غير أن الموظف نهره ولم يرض بالمبلغ طالبا ((أم الطربوش)) فقال المواطن: بضميرك هل تستحق المعاملة 500 ليرة.. فرد الموظف: لا تأتي على ذكر المرحوم!! فقد مات ضمير هذا الموظف منذ أن قبض أول هدية مقابل عمله الذي يقوم به ووظيفته التي يقبض راتبه مقابل أداء تلك الأعمال.. وقديماً- وهذا القديم ليس ببعيد- كان يُنظر للموظف المرتشي بإزدراء وكان منبوذاً من زملائه في العمل وكان استثناء وليس قاعدة كما هو الحال.. كان الموظف يطلب الرشوة على استحياء وبتلميحات وبأسلوب سري كان يترك أحد أدراج مكتبه مفتوحاً ويومئ للمواطن أن ينظر إلى الدرج فيجد فيه النقود ليفهم المطلوب.. أما اليوم فالموظف الشريف الذي لا يأكل الحرام استثناء وليس قاعدة وطلب الرشوة علني وليس ضمنياً معاملتك تكلف كذا.. إدفع بالتي هي أحسن.. وروح وين ما بدك اشتكي.. بدنا نعيش .
وهكذا هو الواقع المأساوي الذي نعيشه.. الرشوة تنتشر كالسرطان الخبيث في الدوائر والمديريات والجهات الحكومية يجبروك على الدفع مهما كانت معاملتك بسيطة ونظيفة أحد الأصدقاء روى لي أنه اضطر إلى أن يدفع المعلوم لموظف النفوس عندما قصد دائرة الأحوال المدنية مكرهاً ومجبراً وذلك من أجل تقديم شهادة وفاة لأبيه الذي رحل عن هذه الدنيا الفانية فلم يستلم الموظف في تلك الدائرة معاملة الوفاة ولم ينجزها إلا بعد أن طلب منه (باكيت مالبورو أحمر ).. فتصوروا حالة انعدام الضمير.. وصدق أحد مشايخنا عندما وصف أمتنا بأنها أصبحت أمة ملعونة لأن الله تعالى لعن الراشي والمرتشي.. فهل من صحوة تنبش الضمائر من القبور؟!

العنوان الأصلي : أمتنا الملعونة ! .. بقلم : أسامة سعد الدين

ليست هناك تعليقات: